مقالات

السودان.. الحرب التي تُرى والحرب التي تُروى

*السودان.. الحرب التي تُرى والحرب التي تُروى*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

في زمن أصبحت فيه الرواية سلاحًا لا يقل تأثيرًا عن الطائرات المسيّرة، تتداخل المعارك العسكرية مع المعارك الإعلامية، ويصبح الوعي الوطني خط الدفاع الأول عن الأوطان.

ليست كل الحروب التي تغيّر مصائر الأمم تُسمع أصواتها. فبعضها يأتي بأزيز المسيّرات في السماء، وبعضها الآخر يتسلل بهدوء عبر الشاشات والمنصات والعناوين المتداولة. وإذا كانت الأولى تستهدف الأرض وما عليها، فإن الثانية تستهدف الوعي وما فيه. وحين تجتمع الحربان في وقت واحد، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا، لأن الخطر لا يهدد الحدود والمرافق فحسب، بل يمتد إلى الثقة العامة والروح المعنوية للأمة.

وفي السودان، يبرز هذا التزامن بصورة لافتة. فبينما تتصاعد هجمات المسيّرات على مواقع ومنشآت حيوية، تتكثف في المقابل حملات إعلامية ومنصات رقمية تقدم صورة قاتمة للمشهد، وتدفع في اتجاه تعميم الإحباط وإضعاف الثقة في أي أفق للاستقرار أو التعافي. وهنا لا يصبح السؤال متعلقًا بالأحداث وحدها، بل بالروايات المصاحبة لها، وبالطريقة التي تُقدَّم بها للناس.

ولا خلاف على أن النقد الموضوعي ضرورة وطنية، وأن كشف الأخطاء جزء من مسؤولية الإعلام والمجتمع. فالأمم لا تتقدم بالمجاملات ولا بإخفاء الحقائق. غير أن الفارق كبير بين نقد يفتح أبواب الإصلاح، وخطاب يغلق أبواب الأمل. فالأول يعالج مواطن الخلل، أما الثاني فيعيد إنتاج الأزمة ويحولها إلى حالة دائمة من الإحباط وفقدان الثقة.

لقد علمتنا تجارب الشعوب أن الدمار المادي، مهما بلغ حجمه، يمكن إعادة بنائه بالإرادة والعمل. أما حين تتعرض الثقة الوطنية للتآكل، وتُستهدف الروح المعنوية بصورة مستمرة، فإن الخسارة تصبح أعمق وأطول أثرًا. فالمسيّرات قد تصيب هدفًا محددًا، لكن الحرب الإعلامية تسعى إلى إصابة مجتمع كامل في وعيه وتماسكه وقدرته على الصمود.

ولهذا يصبح الوعي الوطني خط الدفاع الأول. ليس بإنكار الواقع، ولا بتجاهل التحديات، بل بقراءة الأحداث بعقل متزن يميز بين الخبر والدعاية، وبين النقد المسؤول وحملات التأثير النفسي، وبين الحقيقة والضجيج.

إن السودان اليوم يحتاج إلى تماسك أبنائه بقدر حاجته إلى الأمن والاستقرار. فالمعركة لم تعد فقط في الميدان، بل في العقول والقلوب أيضًا. وبين الحرب التي تُرى والحرب التي تُروى، يبقى الرهان الأكبر على وعي السودانيين وإيمانهم بقدرتهم على تجاوز المحنة وصناعة مستقبل أفضل.

قد تُصيب المسيّرات هدفًا في الجغرافيا، لكن الروايات الموجَّهة تستهدف الجغرافيا الأهم: وعي الإنسان. ولهذا تبقى معركة الوعي هي المعركة الأطول أثرًا والأكثر حسمًا في مستقبل الأمم.

*ابويامن*

 

زر الذهاب إلى الأعلى