الإعلام الوطني إما أداة دولة أو ثغرة اختراق

*الإعلام الوطني إما أداة دولة أو ثغرة اختراق ..*
➖🟢➖
*مُهرة نيوز*

إنّ غياب الإعلام الوطني عن معركة السودان لم يعد مسألة قصور مهني أو ضعف إمكانات، بل تحوّل – في لحظة تاريخية فارقة – إلى فراغ خطير تملؤه روايات الخصوم، وتستثمره منصات التشويه، وتُبنى فوقه صورة دولةٍ يُراد لها أن تبدو كأنها انتهت، بينما هي في الحقيقة تقاتل وتبني في آنٍ واحد.
لقد خاض السودان حربًا مركبة ، حربًا عسكرية على الأرض، وحربًا إعلامية شرسة على الوعي. وفي هذه الحرب الأخيرة، تُركت الساحة – في كثير من الأحيان – بلا دفاع وطني منظم، فترسّخت في الخارج صورة بلدٍ بلا حكومة، وبلا مؤسسات، وبلا قدرة على النهوض، صورة شوارعها الجثث، وهوائها الموت، وأفقها الفوضى.
إن حراك العودة إلى الخرطوم لم يكن حدثًا اجتماعيًا مؤقتاً، بل إعلان سياسي صريح بأن الدولة لم تسقط، وأن العاصمة لم تُهزم، وأن مشروع تفكيك السودان قد فشل. ومع ذلك، يُتعامل مع هذه اللحظة المفصلية إعلاميًا وكأنها خبر عادي، يُنشر ثم يُنسى، بلا تحليل، بلا تفكيك، وبلا بناء وقائع مضادة للرواية الدولية المضلِّلة.
الإعلام الوطني، بكل وسائطه، مطالب اليوم بأن يخرج من مربع الحياد السلبي. فالحياد في لحظة استهداف الدولة ليس مهنية، بل انسحاب غير معلن من معركة السيادة.
فبينما تمضي القيادة السياسية – برأس الدولة ونائبه ومساعديه، ورئيس الوزراء وحكومته – في إدارة أعقد مرحلة في تاريخ السودان الحديث، يُترك الفعل التنفيذي بلا ظهير إعلامي قادر على شرحه والدفاع عنه وتقديمه للعالم بوصفه فعل دولة، لا رد فعل أزمة. إذ ليست المشكلة في وجود أخطاء أو تحديات، فذلك طبيعي في دول خارجة من حرب، بل المشكلة في غياب إعلام يضع هذه التحديات في سياقها الصحيح، ويكشف حجم ما أُنجز مقابل ما يُروّج من انهيار شامل.
الإعلام الذي يكتفي بنقل الأخبار المجردة، دون تحليل سياسي أو تفكيك للمخططات أو قراءة للمآلات، هو إعلام يسلّم الساحة طوعًا لمن يملكون أجندة واضحة ضد السودان. فالمعلومة غير المؤطرة سياسيًا تتحول بسهولة إلى مادة للاستخدام المعادي.
إذن نحتاج إعلامًا:
• يسبق الحدث بدل أن يلهث خلفه.
• يفضح حملات التضليل، لا أن يتجاهلها.
• يشرح للمواطن والعالم كيف تُدار الدولة في ظروف استثنائية.
• ويوثق لحظة العودة إلى الخرطوم باعتبارها انتصارًا سياسيًا لا يقل شأنًا عن الانتصارات العسكرية في المحاور كلها ..
إن الاصطفاف مع الجهاز التنفيذي في هذه المرحلة ليس خيارًا أم إستثناءاً .. إنما ضرورة وطنية. لكنه اصطفاف قائم على الوعي والمسؤولية، لا على التزييف أو التبرير الأعمى. إعلام يقف مع الدولة لأنه يدرك أن انهيار صورتها مقدمة لانهيارها الفعلي.
ففي زمن إعادة الإعمار، يصبح الإعلام جزءًا من منظومة الحكم الرشيد، لا سلطة معزولة تتفرج من الخارج. دوره أن يحمي المعنى السياسي لما يجري، وأن يمنع اختزال السودان في مشاهد الدمار وحدها.
إذا لم يبادر الإعلام الوطني إلى استعادة رواية السودان، فسيظل العالم يتلقى نسخة واحدة من الحكاية: نسخة الفوضى والعدم. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة تسعى لإعادة التموضع إقليميًا ودوليًا بعد حرب.
الخرطوم اليوم سادتي لا تعود فقط بالسكان والموظفين والمؤسسات، بل تعود بوصفها رمزًا لبقاء الدولة. وهذه العودة، إن لم تُوثّق وتُحلّل وتُقدَّم سياسيًا وإعلاميًا كما يجب، ستُسرق مرة أخرى… لا بالسلاح، بل بالكاميرا والكلمة.
وقد علمتنا التجارب أنه في معارك الدول الكبرى، لا يُترك الإعلام بلا مهمة. فإما أن يكون جزءًا من الدولة… أو يتحول، بصمته، إلى أداة ضدها.
*د. إسماعيل الحكيم **
Elhakeem.1973@gmail.com
__________
*لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽
https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

  • Related Posts

    ( كٌنت هناك )

    *( كٌنت هناك )* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* قلت للزملاء الذين رافقوني في العودة للخرطوم ونحن مجتمعين أنا أٌريد ان أبدأ عودتي للخرطوم بتحية صرح يستحق منا جميعاً التحية والاحترام قال لي أحد الزملاء : ح نبتدئ بالجهة الفلانية قلت له لا بدايتنا ح تكون بوزارة الداخلية و سنكون مع الشرطة السودانية أولادنا الغٌبش مشهدا مشهدا ورواية رواية. الجهاز الذي ينبض بالرجال الأوفياء أصحاب البال الطويل والحنكة الذين كلما رشقتهم حجارتنا أو وصلتهم إساءتنا تحملوها بكل جلد وصبر وحكمة ونكران ذات وقالوا هذا برد وسلام علينا بمبدأ انتوا اغلطوا ونحن بنفتش ليكم الأعذار … الشرطة التي تحملت فوق طاقتها وفوق احتمالية أفرادها لكنها ظلت تقدم في كل الأمكنة .. قدمت في الحرب مئات الشهداء وعشرات الجرحى وجمعا من المفقودين وظلت أيضاً صامدة وصابرة ومحتسبة ولكم في الاحتياطي المركزي مثال رمزية تفوق الجبال شموخا … جلست إلى كبار ضٌباط الشرطة وفي مقدمتهم السيد / الفريق أول حقوقي / أمير عبدالمنعم المدير العام للشرطة هذا الرجل عسكري بوليس حقيقي رجل صارم وحاذق وحافظ لوحه تماماً تهابه حتي وإن كٌنت مٌلما بكل المعلومات فيحدثك حديث العارفين ببواطن الأمور ومرونة القيادة وإقتراح الحلول في وقت صعب .. جلست إلى الأفراد العسكرين لاحظت فيهم الصرامة والاهتمام بالتواصل مع المجتمع والقٌرب منه امتثالاً لشعار (الشرطة في خدمة الشعب) … ورأيت أن الشرطة ترجمت ذلك في التسهيل والتعاون بتبسيط الخدمات في مجالات عديدة أهمها الأمن وتحمل المسؤولية التامة في ظل تحديات كبيرة بأقل الإمكانيات وأعظم الرجال .. دخلت مباني النجدة والعمليات وجدت المهتمين بالأمر على أهبة الاستعداد للاستجابة الفورية للبلاغات عبر الرقم ( 999 ) أو دوريات النجدة المنتشرة في المحليات سألت المسؤول الأول و هو ضابط برتبة متقدمة (هل اتصل بكم مواطن لنجدته ولم تفعلوا )؟ أجابني بروح طيبة نحن قاعدين هنا عشان خدمة المواطن وما بننوم وكل من أراد الفزعة نحن في خدمته … باغته بسؤال خيالي يا سعادتك في مواطن اتصل ولم يحدث تعاون من جانبكم ؟ أجابني جيبي توقيت الاتصال وأعدك أن هذا لم ولن يحدث قط بإذن الله… دلفت منهم إلى الارتكازات وفي كبري النيل الأبيض وجدت الشرطة الأمنية حاضرة وواعية تماماً ومدركة لحساسية الوضع لاحظتهم واقفين في منتصف الكبري لمتابعة السيارات وما تحمله من أشياء في متابعة لصيقة للمواطنيين أعجبتني الهمة العالية والروح الوثابة … وفوق هذا وذاك وجدت الناطق الرسمي للشرطة .. رجل نشط كالنحلة متعاون مع الإعلام ويتعامل بمبدأ الشراكة الذكية بين الأجهزة الأمنية والإعلام .. دخلت رئاسة شرطة ولاية الخرطوم شاهدت الخرطوم العاصمة كلها من غرفة السيطرة والتحكم المواقع و الارتكازات مرور الدوريات و متابعة الشارع العام كله موجود في شاشة وأمامها يجلس كبار الضٌباط بالساعات الطِوال ويظهر عليهم التعب والإرهاق لفكرة التركيز الشديد في متابعة الشاشة حتي لا تضيع منهم لقطة او لمحة علها تكون مدخلا لجريمة أو حدا من حدوث بعض ظواهر النهب والسرقة وغيرها من الجرائم … خرجت من ديار الشرطة بغالبية أفرعها بأن الشرطة السودانية بخير وأنها حريصة على حماية المدنيين بعين ساهرة على الدوام .. لكن إن كان لدي من رسائل : ▪️أولاً : رفع مرتبات المنتسبين للشرطة السودانية حتى يستقر وضعهم المادي نسبياً فهم بشر ولديهم التزاماتهم الأسرية وغيرها … ▪️ثانياً للمواطن : أن يٌعطي الشرطة كامل الاحترام والتقدير اللازم وأن يضعها في مقام الشريك الصديق .. ▪️وثالثاً : لضباط وأفراد الشرطة السودانية أن يجعلوا المواطن هو بمثابة ابنهم البِكر خوفاً واحتواء … ▪️أما أنا فتحيتي خاصة لكل الشرطة السودانية حيّاكم الغمام …. ( قريباً أحدثكم عن رجل عظيم أسمه بابكر سمره ) وبس … *عائشة الماجدي* __________…

    Read more

    Continue reading
    عن أرباح العدوان

    *عن أرباح العدوان!* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* * الذين يدافعون عن العدوان الإماراتي، ويهاجمون منتقديه، لا يقدمون معلومات تلغي المعلوم يقيناً، أو تشكك فيه وتجعله محل تساؤل. المعلومة الوحيدة التي يقدمونها هي أنهم فريق دفاع سوداني، والتساؤل الوحيد الذي يثيرونه يتعلق بمقدار “أتعابهم”! * عندما يعددون الحيل الدفاعية فإنهم في الحقيقة يعددون مصالحهم، فكل حيلة تحدث الناس عن مصلحة ولا تحدثهم عن حجة، ليكون أكثرها ضعفاً هو أكثرها حديثاً عن المصلحة! * وليدل مجموع الحيل على مقدار تركيزهم على إرضاء المعتدي أكثر من الإقناع، وابتعادهم عن الوطن والمواطنين، والأذى الذي يقبلونه لهم إذا تعاكست المصالح! * يدل تمسكهم بالاستمرار في الدفاع عن العدوان ــ رغم أن ردود الفعل تثبت بشكل قاطع أنه يفضح ولا يقنع ــ على قناعتهم بأن ربحهم من العدوان أكبر من خسارتهم، وأن سمعتهم أقل أهميةً من مصلحتهم! * لو كانوا صادقين، مع أنفسهم ومع الناس، ومقتنعين بصحة منطق المصلحة من العدوان، وبوجود مصلحة عامة من الأصل، لحاولوا إقناع الناس بمشاركتهم في الدفاع عن العدوان عبر محاولة إقناعهم بأن مصلحة الوطن والمواطنين منه أكبر من الخسارة، تماماً كحالهم هم! *إبراهيم عثمان* __________ *لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽 https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *