ليلةٌ لا تُنسىٰ
*ليلةٌ لا تُنسىٰ*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
-أدَّىٰ صلاة العِشاء، وعافت نفسه العَشاء، وقال لزوجته بلهجةٍ حازمة ما تمرقى من البيت صباح باكر الجمعة،وخلى بالك من نفسك ومن العيال،أنا ماشى مشوار هام جداً وما عارف حأرجع متين!! ماشى وين؟ سَأَلَتْ. فأجاب ماعاوز أى أسئلة حتعرفى الحاصل بكره من الاذاعة، خليك قريبة من الراديو.
ولو أرهفت الزوجة سمعها لتناهىٰ اليها وجيب قلبه المُثقل بسرٍّ بالغ الخطورة به يتحدد مصير البلد قبل أن يتحدد مصيره هو ورفاقه،خرج من بيته تحت جنح الظلام، وتحولت نبضات قلبه الى ايقاع كلمتين هُنَّ (الوطن الغالى) هذا هو سر الليل الذى سيسمح له بالدخول من بوابة القيادة العامة .
-كانت الخرطوم تنام على فراش اللامبالاة وتتدثر بغبار الاهمال!! عندما وثب فتيةٌ لا يرجون غير مرضاة الله وانقاذ الوطن من براثن العملاء الذين يتربصون به الدوائر .
-وتحركوا بهمة عالية عندما بلغت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وما ان أسفر الصبح بوجهه وقبل أن تشرق الشمس، كانت كل الأمور تحت السيطرة ومعظم القيادات السياسية والعسكرية تحت الحراسة المشددة فى مقر البحوث العسكرية( ادارة التوجيه المعنوى الآن) فخبط أحد الفتية بقبضة يده على مقود السيارة البيجو نصف نقل التابعة للقوات المسلحة،التى كان يعبر بها كبرى القوات المسلحة وقال موجهاً كلامه لأولئك المدنيين الذين كانت تلفهم الحيرة عن السبب فى أغلاق الكبارى وان كان السبب واضحاً لفطنة المواطن السودانى فالأوضاع المتردية أمنياً واقتصادياً وعسكرياً والتى كانت سبباً فى مذكرة الجيش قبل أربعة أشهر من ذلك التاريخ، توحى بأن الجيش لابد له من أن يستلم مقاليد السلطة والشعب يتحرَّق شوقاً لسماع المارشات من الاذاعة، والأحزاب المتكالبة على الحقائب الوزارية المتناسية لمشاكل الوطن والمواطن غافلةً عن دورها وقال الضابط الشاب لهم بصوتٍ لم يكن مسموعاً لهم نظراً لبعدهم النسبى عن السيارة (الاسلام جاااكم).
-وبدأت الاذاعة البث بالقرآن الكريم ثم بدأت فى بث الموسيقى العسكرية المارشات التى يتوق الناس شوقاً اليها، وقال المذيع:- المستمعون الكرام سنذيع عليكم بعد قليل بياناً هاماً من العميد الركن عمر حسن أحمد البشير ومَرَّ وقت غير قليل قبل أن يبدأ العميد عمر حسن بيانه الذى بدأه بدون بسملة عن قصد وقال أيها الشعب السودانى الكريم ان قواتكم المسلحة المنتشرة فى طول البلاد وعرضها ظلَّت تقدم النفس والنفيس حمايةً للتراب السودانى وصوناً للعرض والكرامة، وترقُب بكل أسىً وحُرقة التدهور المريع الذى تعيشه البلاد فى شتى أوجه الحياة،وقد كـان فى أبـرز صُـوَرِهِ، فشل الأحزاب السيـاسيـة فى قيادة الأمة لتحقيق أدنى تطلعاتها. وعدَّد البيان الكثير من الأسباب المقنعة فى كـل المجالات وختم البيان بفشل الحكومة وهيئة قيادة الجيش فى ترجمة ما جاء فى مذكرة الجيش، وأعلن أن أبناء الشعب فى القوات المسلحة قد تحركوا لانقاذ البلاد العزيزة من أيدى الخونة والمفسدين تلبيةً لنداء الوطن، ودعىٰ البيان كل المواطنين للثورة معها ضد الفوضى والفساد واليأس من أجل انقاذ الوطن، فَسُميت ثورة الانقاذ وغنىٰ لها الفنان كمال ترباس أول أناشيدها هبت ثورة الانقاذ يوم الجيش للشعب انحاز من كلمات الشاعر الراحل ذو النون بشرى. ومضت سفينة الانقاذ لا تبالى بالرياح.
-ومضىٰ شهرُ كامل منذ تلك الليلة المهيبة التى لا تنسى قبل أن يعود صاحبنا لرؤية عياله وأمهم. لم تَنْحَ الزوجة باللائمة على زوجها وان لم تُعْفِهِ من الاتهام بالغتاتة والبطن الغريقة، فحكى لها طُرفة اللواء شرطة محى الدين محمد على التى قال فيها ان الضابط المناوب فى جهاز الأمن العام فى فترة مايو ترك مكتبه وجاء الى نادى الشرطة فأستنكر عليه زميله فقال له اطمئن مافى زول بيعمل انقلاب فى شهر تمانية لانو مافى فنان ممكن يغنى ليهو ويقول أوغوسطوس لحدى ما تجيه لُوَزْ .
ودار الزمان دورته لثلاثة عقود والانقاذ تعمل وتجتهد وتخطئ مرة وتصيب مرات ومرات حتى قضى مالك الملك الذى يؤتيه من يشاء وينزعه عن من يشاء.فذهبت الانقاذ وبقى أثرها وسيبقى ما دامت السمٰوات والأرض.
وبكى الناس على ذهابها وقالوا ياحليلك يا البشير .
-كانت ليلة لا تنسى مثل عنوان كتاب (ليلة لا تنسى) وهو الترجمة العربية لكتاب A Night to Remember للمؤرخ Walter Lord، ويُعد من أشهر الكتب التي تناولت كارثة غرق RMS Titanic. والفرق أن تايتنك قضت ثلاث ساعات قبل أن تغرق وسفينة الانقاذ أمضت ثلاثين عاما قبل أن تذهب !!
للتحية للمشير البشير فى معتقله وهو الذى اعلن أمام المحكمة عن مسؤوليته عن ما جرى فى تلك الليلة التى لا تنسى وهو يعلم بأن الاعتـراف هو سيـد الأدلة.
-والقـائـد ما بْيِـتْـخَـرَّت. سـلاااام سلاح.
*محجوب فضل بدري*




