قدَّمت أربعةً من أبنائها شهداءً في سبيل الوطن،، “أسرة دفع الله ديدان “.. (العود برمي جَمَرايتو)..

*قدَّمت أربعةً من أبنائها شهداءً في سبيل الوطن،، “أسرة دفع الله ديدان “.. (العود برمي جَمَرايتو)..*
التايم لاين يضجُّ بقصة البيت الذي تحوَّل إلى قافلة شهداء..
*من تلودي إلى التُّكْمَة.. أمٌّ تزفُّ أبناءها إلى ميادين الشهادة بثبات..*
والي جنوب كردفان: ما قدمته الأسرة نموذج مشرق لمعاني الفداء..
*تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..*
➖▪️🔴▪️➖
*(مُهرة نيوز)*
ضجّت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية بقصة أسرة الشيخ دفع الله علي ديدان، التي دفعت بأربعة من أبنائها شهداء في ميادين القتال بولاية جنوب كردفان إقليم جبال النوبة، وهم النذير وخالد وعلي وزاهر دفع الله علي ديدان، وسقت دماء الأشقاء الأربعة الطاهرة أرض المعارك الممتدة من تلودي، مسقط رأس الأسرة، مروراً بهبيلا وانتهاءً بمنطقة التُّكْمَة شرق مدينة الدلنج، في واحدة من أكثر قصص التضحية والفداء تداولاً وتأثيراً وسط السودانيين، حيث لم تكن قيمة قصة شهداء أسرة ” دفع الله ديدان” في عددهم فقط، وإنما في الثبات والإيمان الذي أظهرته الأسرة وهي تتلقى نبأ استشهاد أبنائها الواحد تلو الآخر، دون أن يثني ذلك بقية الإخوة عن مواصلة القتال طلباً للشهادة، حتى تحولت الأسرة إلى رمزٍ للصبر واليقين والتجرّد من أجل الوطن.
جذور من الدين والوطنية
وتنحدر أسرة الشيخ دفع الله علي ديدان وزوجته الحاجة آمنة من منطقة تلودي بولاية جنوب كردفان، وهي منطقة تُعرف تاريخياً بأنها إحدى حواضر مملكة تقلي الإسلامية، التي ظلت تمثل مركزاً للإشعاع الديني والثقافي والوطني في جبال النوبة، ويقول الكاتب الصحفي أبِّشر رفَّاي، وهو أحد المنتمين للأسرة، إن الشيخ دفع الله ديدان نشأ بقرية (أم دوال) التابعة لتلودي، وأبان في إفادته ل(الكرامة) أن الأسرة تمتد جذورها في محلية تلودي الكبرى التي تضم تلودي والليري وكلوقي وقدير، ويصف رفَّاي الأسرة بأنها أسرة محافظة ومتدينة ذات تدين مستنير، مشيراً إلى أنها لا تعرف العصبية الاجتماعية أو الدينية، وتؤمن بقيم الوطن والوطنية والقومية النبيلة، وظلت عبر تاريخها منحازة للدفاع عن الأرض والعِرض والدين دون ضجيج أو ادعاء، مبيناً أن الأسرة عُرفت بالتواضع والعمل الصامت وابتغاء الثواب، وأن ما قدمته من شهداء لم يكن حدثاً طارئاً أو استثنائياً في مسيرتها، بل امتداداً طبيعياً لقيم تربوية ودينية غرستها في أبنائها منذ الصغر، حتى أصبحت نموذجاً نادراً لتمازج الإيمان مع روح الفداء الوطني.
تلودي الثورة والتاريخ:
ولا يمكن فهم قصة أسرة ديدان بعيداً عن البيئة التاريخية التي خرجت منها، فمدينة تلودي تعتبر واحدة من أكثر مناطق السودان ارتباطاً بتاريخ المقاومة والثورات الوطنية، وبحسب رواية الكاتب الصحفي أبِّشر رفَّاي، فإن تلودي تُعد العاصمة التاريخية لكردفان الكبرى وجبال النوبة، ومنها انطلقت أول ثورة وطنية ضد الحكم الثنائي البريطاني في العام 1906م، بقيادة رجال من منطقة (أمدوال)، والذين قاموا بقتل المأمور أو المفتش المصري ( ذكي بك واصف) الشهير ب” أبو رفاس” حيث قام الإنجليز في مقابل ذلك بإعدام سبعة رجال شنقاً في يوم واحد، في واقعة موثقة بخمسة مراجع بريطانية، ويؤكد رفَّاي أن اسم تلودي ارتبط بتاريخ الثورة المهدية، إذ كانت منطقة قدير إحدى المحطات التي آوت الإمام المهدي عام 1883م قبل تحركه نحو معركة شيكان الشهيرة بالأبيض، ويشير رفَّاي إلى أن تلودي كانت أيضاً مسرحاً لثورة الفكي علي الميراوي عام 1918م، عندما تمكَّن الأهالي، بقيادة حكامات تلودي، من كسر سجنه وإخراجه بالقوة، وتحتفظ المنطقة بسجل حافل من الرموز الوطنية والعسكرية، من بينهم البطلان (علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ )من رموز ثورة 1924م، واللواء أركان حرب محمود حسيب، خريج الكلية الحربية المصرية الذي تدرب على يديه الرئيسان المصريان جمال عبد الناصر وأنور السادات، كما تُعرف تلودي بأنها موطن القاضي عبد الرحمن إدريس، أحد مفجري ثورة الخامس من سبتمبر 1975م، وموطن الحاجة مريم سلامة زوجة الزعيم إسماعيل الأزهري، ويمضي رفَّاي في سرد تاريخ المنطقة قائلاً إن تلودي الكبرى والليري أنجبت أيضاً البطل (كوكو كوبانقو) مفجِّر ثورة 1917م، كما أنها شهدت أولى إرهاصات ثورة قوة دفاع السودان ضد الاستعمار البريطاني في العام 1904م، ومن هنا فإن ما قدمته أسرة ديدان ليس سوى امتدادٍ طبيعي لإرث تاريخي طويل من المقاومة والتضحية.
“جَمْرَاية” الآباء:
ويستدعي الكاتب أبِّشر رفَّاي مثلاً شعبياً شائعاً في تلودي يقول: (العود برمي جمرايتو)، في إشارة إلى أن الأبناء امتداد طبيعي لآبائهم وأصولهم، مبيناً أن الأشقاء الأربعة جسّدوا هذا المعنى بصورة كاملة، إذ استشهدوا تباعاً في ميادين المعارك وهم يحملون ذات الروح والإيمان بالقضية التي تربّوا عليها، فقد سقط الشهيدان النذير وخالد في معارك مبكرة ضد قوات الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، حيث استشهد (النذير) في معركة الخزان بتلودي، فيما استشهد (خالد) داخل تلودي خلال أحداث التمرد التي شهدتها المنطقة في السادس من يونيو 2011م، أما الشهيد القائد (علي دفع الله علي ديدان)، فقد كان من أبرز المقاتلين الذين شاركوا في معارك الغبشة وأم روابة والرهد والسميح حتى حدود جبل كردفان، قبل أن يساهم في فك الحصار عن الدلنج وكادقلي، ولحق به يوم الجمعة الماضية شقيقه الأصغر (زاهر)، الذي واصل ذات الطريق حتى استشهد في معارك التُّكْمَة وهبيلا بعد مشاركته في عمليات عسكرية واسعة لتحرير عدد من المناطق.
رسالة أم الشهداء:
وحظيت الرسالة التي بعثت بها أم الشهداء الحاجة (آمنة) إلى ابنها زاهر قبل ساعات من استشهاده بتداول واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، لما حملته من صدق وعفوية وإيمان عميق، ففي رسالتها الطويلة، تحدثت الأم بلغة الدعاء والثبات والرضا بقضاء الله، لم تخف أو تنكسر وهي تخاطب أبناءها المقاتلين بقولها: “ربنا يثبت أقدامكم وينصركم ويحفظكم من الدانات والطلقات والمسيرات، وكان أكثر ما أثار التأثر في الرسالة قولها: “الموت دا الزول كان في سريره بيموت، الجاية كان في سريرك بتجيك”، وهي عبارة اختزلت فلسفة سودانية راسخة في الإيمان بالقضاء والقدر، كما خاطبت الحاجة آمنة أبناءها بفخر واضح قائلة: {يا آل ديدان، يا رجال الجهاد، يا الأبات}، قبل أن تؤكد أنها لا تعترض على حكم الله مهما كانت النتيجة، لقد كانت رسالة الحاجة آمنة بمثابة وثيقة إنسانية واجتماعية تعكس طبيعة المجتمع السوداني في أوقات الحرب والشدة والكرب.
درس للسودانيين:
وتقدَّم والي جنوب كردفان محمد إبراهيم عبد الكريم بخالص التعازي إلى أسرة علي دفع الله ديدان، مشيداً بالنموذج المشرق الذي قدمته الأسرة في معاني التربية والإيمان والوطنية، وقال الوالي في إفادته للكرامة إن الوالدين قدّما درساً عظيماً في الصبر والثبات، بعد أن دفعا بأربعة من فلذات أكبادهما شهداء في سبيل الدين والوطن، معتبراً أن ما قامت به الأسرة يمثل رسالة قوية للمجتمع السوداني عامة ولمجتمع جنوب كردفان على وجه الخصوص، وأكد أن شهداء أسرة ديدان يمثلون قدوة لشباب السودان، ومفخرة لأهلهم ومنطقتهم، بما بذلوه من أرواح في سبيل حماية البلاد، وجدد والي جنوب كردفان تحيته لشهداء القوات المسلحة والقوات المساندة، مؤكداً أن الدماء التي روت الأرض ستثمر للسودان سلاماً واستقراراً وتنميةً وازدهاراً.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن قصة أسرة الشيخ علي دفع الله ديدان، تكشف عن واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن طبيعة المجتمع السوداني في أزمنة الحرب، حيث تتحول الأسرة إلى مؤسسة للقيم والإيمان والتضحية قبل أن تكون مجرد رابطة دم، ذلك أن الأشقاء الأربعة لم يذهبوا إلى المعارك بدافع فردي أو مصلحي، وإنما ضمن منظومة تربوية وثقافية متجذرة في بيئة تاريخية عُرفت بالمقاومة والالتصاق بقضايا الوطن، لقد جاءت قصة (آل ديدان) لتؤكد أن جنوب كردفان، إقليم جبال النوبة كما كان دائماً، لا يزال ينجب رجالاً ونساءً يكتبون تاريخ السودان بمداد الدم والصبر والإيمان.
___________
*للانضمام لـ (مُهرة 1)*
https://chat.whatsapp.com/I1BmnbNrRP2EdeGsDoQXn6?mode=gi_t