أثيوبيا الجديدة:نظرةٌ في الصُّورةِ السياسيّة للدّولة
*أثيوبيا الجديدة:نظرةٌ في الصُّورةِ السياسيّة للدّولة*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
في تاريخ أثيوبيا الإمبراطوريّة شيءٌ كثير من العُزلة.
وكانت عُزلة أثيوبيا مغايِرةً لأنّ الإمبراطوريّات تميل نحو التوسُّع، ولكنّ هذا الميل قد تغيَّر تَبَعاً للأجندة الجديدة في العلاقات التي تتماهَى فيها دُوَل تبدو على المستوى الإقليمي حارسا – وليس مجرّد نصير- لأطماع دُوَل أخرى مستَلَبةَ القرار، هزيلة التوجُّه، يَصِل بها الاستسلامُ والاستلابُ إلى أن تقودَ حرباً بالوَكالة، وتكون هذه الدّولة الحارسة – إقليميّاً-أداةً من الأدوات في هذه الأجندة، تماماً كما وصف المتنبيّ كافور الإخشيدي: (وفي النّاس بُوقاتٌ لها وطُبُولُ).
2️⃣
تاريخيّاً استفادت أثيوبيا مِن خِبراتٍ مختلفة منذ تحوُّلها من الديانة اليهوديّة إلى المسيحيّة، واستقبلت الصّحابة – رضي الله عنهم – الذين هاجروا إليها.
ومنذ صراع الفُرس والرُّوم حول سواحل أثيوبيا والبحر الأحمر، ومنذ احتلال الإيطاليّين لها، ومنذ النفوذ السوفييتي في عاصمتها وجيشها؛ تعيش أثيوبيا إحساسا بالضعف لا القوّة وكان الفقر من أقوى الأسباب لهذا الضعف خصوصا في عهد النظام الشيوعيّ متمثّلاً في الرئيس منجستو هايلا ماريام الذي أطاح بالأمبراطور هيلا سلاسي في 1974م.
ثم بسبب النزاعات والفقر في طبقات المجتمع الأثيوبيّ في قبائله المكوِّنة كـ”البني عامر” أَو “بني شنقول” غربا، حتى “الدّاروط” و”الهُويّة الصوماليّة” شرقاً.
3️⃣
ظلّت الأدبيّات الأيوبيّة – فيما بعد – تتحدّث عن أنّها هي التي باتت قاعدةً لسلّة غذاء العالم، وليس السودان الذي لم يستثمر هذا الوصف “سلّة غذاء العالَم” ، بل أصبحت أثيوبيا جاذبةً لمشروعات واستثمارات عالميّة تتّجه إليها الآن وتقرع أبوابها، وبدأ الحسّ الإمبراطوريّ يتعالى من جديد.
4️⃣
أغرى أثيوبيا هذا الاتّجاه الواثب الطّافر إلى أن تطوِّر تفكيرَها بصورة إستراتيجيّة جعلها تتحدّث عن توسيع أثيوبيا مكانةً ونفوذاً في القرن الإفريقي والحوض الإفريقيّ كِليهِما، فالقرنُ الإفريقيّ يضمّ الصومال وإريتريا وجيبوتي، بينما يَضمّ حوض النِّيل كُلاًّ من جنوب السودان وأوغندا وكينيا.
وقد وفّر هذا لأثيوبيا نُفوذا في منطقة “الإيقاد “، ونفوذا في دَولتَيِ السودان، مع توجيه تحذير قويّ لمصر من محاولة تبنِّيها دوراً مؤثِّراً فيها.
وممّا يلفت النظر في التعليقات الكثيرة في الأدبيّات الأثيوبيّة الصادرة مؤخْراً أنّها تنحو نحواً هجوميّاً نحو مصر-كما قرّرت ذلك مراكز بحثيّة إستراتيجيّة مصريّة- ، وتكرّر عبارات مثل :” مصر تريدنا دولةً ضعيفة”، ومثل :”مصر استغلّت ضَعفَنا، وعقدت اتّفاقيّات خلال السنوات 1891،و 1929،و1959لحوض النيل”. وبينما كانت مصر ولاتزال تؤكِّد حقّها التاريخي والاستراتيجيّ؛ ترفض أثيوبيا ذلك باعتبار أن أثيوبيا هي مصدر المياة “دولة المنبع”.
5️⃣
من جانب آخر مدّت أثيوبيا قوّاتها المسلّحة إلى أنحاء الصومال بعد سيطرتها على الحُدود مع إريتريا، وتجاوُزها أحكاماً دَوليّة خاصّة بهذه الحُدود.
لكنّ الجديد فعلاً أنّها وهي تعمل على حصار مصر تمتدّ تَصوُّراتُها إلى الشرق الأوسط، وليس فقط الشرق الإفريقيّ.
وبديلا عمّا كان يُمثِّلُه لها الشّرقُ الأوسط من تهديد من خلال نفوذ سوريا والعراق، وكذلك مصر في تأييد الثورة الإريتريّة، ذهبت أثيوبيا تجاه فكرة أكبر من إمكاناتها كثيراً،حيث تطمح في الحصار المضادّ لهذه القُوى بفتح الفضاء الأثيوبيّ أمام تركيا، سواءً في صورة استثمارات فيها أو نفاذ إلى الصومال.
6️⃣
إذن منذ مايقرب من عقد من الزمان بدأت أثيوبيا تدخل “عالَم القوّة الإقليميّة” بشراهة شديدة.
ومن الجديد غير المألوف في أثيوبيا تنامي خطاب القوميّة، والمشروع القوميّ، و دور المجتمع المدنيّ، كما يتّجه خطاب آخر إلى المجتمع الدَّوْليّ لمواجهة خطاب “جبهة الأرومو “المتمرّدة والإرهابيّة في نظر الحكومة، وكلّ ذلك مرتبط بالحديث عن”سدّ النهضة” ممّا يدلّ بوضوح على أنّ أثيوبيا بدأت الانتقال من حدود الإمبراطوريّة الصامتة إلى الدّولة الوطنيّة الفاعلة، لدرجة تجاوُز القوانين الدوليّة كما فعلت في مدّ نفوذها في منطقة”الفَشَقة” السودانيّة، مثلما فعلت أيضاً مصر بانتزاعها منطقة حلايب السودانية الخالصة بنصّ الوثائق الدوليّة وبدليل الأعراف السودانيّة السائدة في مواطني حلايب والزِّيّ واللسان السودانيَّينِ الظاهريْنِ فيهم سمةً غالبة.
وهذا يشي أيضا بانتقال أثيوبيا من الزّعامة الكاريزميّة إلى تحريك المجتمع المدنيّ، ومصالح النيوليبراليّة في وقت واحد.
ومِن ثَمّ أصبح الخطاب الأثيوبيّ الجديد يستدعي الحديث إلى الأثيوبيين في بلاد المَهجر(بما يُصطلح إليه بـ”الدّيسابورا” وهو كلمة يونانيّة تعني الشتات، شتات مجموعات من البشر،شعوبا كانت أو ثقافات أو أعراقا وانتشارها خارج وطنهم الأمّ، تظل هذه المجموعات على روابطها الثقافيّة وارتباطها العاطفي السياسيّ ببلدها ) وإحصائيّتهم تفوق الـ11 مليون نسمة في مناطق مختلفة من العالم، واستدرار مساهماتهم للسدّ، أو الاستثمار في الأراضي التي ستجهّزها للشركات الاستثماريّة للزراعة وَفق خطّة قوميّة Master plan.
7️⃣
وبهذا يتوَجّب على السودان والسودانيّين جميعا :
▪️إقامة دولة سودانيّة جديدة تستعيد المسلوبَ من الأراضي، والمنهوبَ من الثَّروات، وتستقلّ بسودان مستوعِب لدوره في المنطقة، يخلّص البلد من كلّ سلطان أجنبي، ويتجاوز الضعف القديم الذي أفقدنا الجنوب السوداني بنفطه وغاباته وإنسانه، وأفقدتنا “حلايب” و”الفشقة”، وقريب منها ميناء سواكن التي كادت أن تصبح تركيّة بسبب بيعها الخفيّ بعقود الإذعان التي وقّعتها حكومة الإنقاذ”عمر البشير”؛ بضعفها وشراهتها للأموال ولو ببيع ممتلكات البلد الجريح.
▪️دولة تقوم على تنمية المواطن بالتعليم بمناهجه الواعية حتى ينشأ أبناء البلد عارفين بحقوق الوطن عاملين على نهضته بعيدا عن نهب التنظيمات المؤدلجة والأحزاب السّرطانيّة المستشرية في ممتلكات الدّولة الحرام.
*أبوذر أحمد محمّد*
Sun. 17.5.2026م




