مقالات

متى تُنبت الزفرة زهرة؟

*متى تُنبت الزفرة زهرة؟*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

لأن الأوطان لا تنهض من بين الأنقاض، بل من بين القلوب التي تعلّمت الرحمة بعد الألم…………….

الحروب لا تسرق الأرواح وحدها، ولا تترك آثارها على الجدران والطرقات فحسب، بل تمتد إلى أعماق النفوس، حيث تصنع جراحًا صامتة قد لا تراها العيون، لكنها تسكن الذاكرة طويلًا. وحين تتوقف أصوات الرصاص، يبدأ التحدي الأكبر: كيف نداوي الإنسان بعد أن أنهكت الحرب روحه؟

من منا لم تمسّه نار الحرب بصورة أو بأخرى؟ من لم يذق مرارة الفقد أو النزوح أو الخوف أو الانتظار؟ من لم يحمل في قلبه قصة ألم، أو ذكرى غياب، أو حلمًا تأجل تحت وطأة الظروف؟ لقد عبرت الحرب فوق الجميع دون استئذان، وتركت نصيبًا من وجعها عند كل بيت تقريبًا، فلا يكاد أحد يخرج منها كما كان قبلها.

غير أن الأمم لا تُقاس فقط بحجم ما خسرته، بل بقدرتها على النهوض مما خسرته. وهنا يكمن الفارق بين مجتمع يظل أسير جراحه، ومجتمع يحوّل تلك الجراح إلى وعيٍ جديد وقوةٍ تدفعه نحو المستقبل.

إن ما بعد الحرب يحتاج إلى ثقافة مختلفة؛ ثقافة تقوم على الرحمة قبل الأحكام، وعلى الفهم قبل الاتهام، وعلى العذر قبل اللوم. فالناس في أوقات المحن لا يعيشون ظروفًا متشابهة، ولا يملكون القدر نفسه من القدرة على الاحتمال. لذلك فإن الإنصاف الحقيقي يبدأ حين ندرك أن لكل إنسان معركته الخفية التي لا نراها.

إن التماسك الاجتماعي ليس شعارًا يُرفع، بل سلوك يُمارس. يبدأ من كلمة طيبة، ومن تجاوز هفوة، ومن تقديم حسن الظن على سوء التأويل، ومن الإيمان بأن بناء المجتمع مسؤولية مشتركة لا يحتكرها أحد. فالأوطان لا تُبنى فقط بسواعد المهندسين والخبراء، بل تُبنى أيضًا بقلوب المتسامحين والعابرين فوق الجراح من أجل مصلحة أكبر.

ولعل أخطر ما يمكن أن تتركه الحروب هو أن يتحول الألم المشترك إلى أسباب جديدة للفرقة. بينما الحكمة تقتضي أن يكون هذا الألم نفسه جسرًا للتقارب، لأن الذين ذاقوا الوجع قادرون أكثر من غيرهم على فهم وجع الآخرين. ومن رحم المعاناة المشتركة تولد أعظم قيم التضامن والتكافل والرحمة.

إن المستقبل لا يحتاج إلى ذاكرة تنسى، بل إلى ذاكرة تتعلم. يحتاج إلى قلوب تحفظ الدرس دون أن تعيش أسيرة له، وإلى إرادة تتجاوز الانكسار دون أن تنكر وجوده. فالتعافي الحقيقي لا يعني محو الندوب، وإنما تحويلها إلى علامات نضج وحكمة وقوة.

وحين ينتصر المجتمع لقيم الرحمة والتسامح والتعاون، يصبح الألم وقودًا للبناء لا سببًا للهدم، وتتحول المحنة إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر وعيًا وتماسكًا. عندها فقط لا تكون الندوب نهاية الحكاية، بل بداية فصل جديد أكثر إشراقًا.

فالأوطان التي تتعلم كيف تضمّد جراح أبنائها، وتحفظ كرامتهم، وتجمعهم على المشتركات الكبرى، هي الأوطان القادرة على صناعة مستقبل يليق بتضحياتهم.

وحين تتسع القلوب للعذر، وتتقدم الرحمة على اللوم، ويتشارك الناس أعباء النهوض كما تشاركوا آلام المحنة، عندها فقط تُنبت الزفرة زهرة، ويصبح الأمل حقيقة، وتبدأ الأوطان رحلتها الحقيقية نحو النهوض.

*…..ابويامن……*

 

زر الذهاب إلى الأعلى