اعمدة مهرة

بين المسلمي البشير الكباشي واللواء م محمد عبد العزيز عمر… الصحافة بين واجب الكشف وحق الحماية

*بين المسلمي البشير الكباشي واللواء م محمد عبد العزيز عمر… الصحافة بين واجب الكشف وحق الحماية*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

اثارت قضية الصحفية رشان أوشي نقاشا واسعا تجاوز حدود الواقعة نفسها ليطرح اسئلة مهمة حول العلاقة بين حرية الصحافة وحقوق الافراد وحدود المسؤولية المهنية. وقد وجدت هذه القضية صداها في المقالين اللذين كتبهما الاستاذ المسلمي البشير الكباشي واللواء شرطة معاش محمد عبد العزيز عمر، حيث تناول كل منهما القضية من زاوية مختلفة، لكنها في النهاية تصب في هم واحد يتعلق بالعدالة وحماية المصلحة العامة.

ركز الاستاذ المسلمي البشير الكباشي على المخاوف المرتبطة بتقييد العمل الصحفي واثر ذلك على قدرة الصحافة في القيام بدورها الرقابي. وانطلق من قناعة راسخة بان الصحافة الحرة تمثل شريكا اساسيا في كشف الفساد وتنوير الراي العام، وان المبالغة في العقوبات الجنائية ضد الصحفيين قد تخلق مناخا من الخوف والتردد يدفع المهنة الى الانكفاء ويضعف قدرتها على اداء رسالتها.

وفي المقابل، قدم اللواء شرطة معاش محمد عبد العزيز عمر رؤية تنطلق من حق الافراد في الحماية من الاتهامات غير المثبتة وما قد يترتب عليها من اضرار شخصية واسرية ومهنية. ولفت الانتباه الى ان الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وان نشر اتهامات لا تسندها ادلة كافية قد يلحق ضررا بالغا باصحابها، حتى لو انتهى الامر لاحقا الى تصحيح المعلومات او صدور الاحكام القضائية.

ومن يقرأ المقالين بعيدا عن الاستقطاب يجد ان مساحة الاتفاق بينهما اكبر مما تبدو عليه للوهلة الاولى. فكلاهما يؤمن باهمية الصحافة ودورها الحيوي في المجتمع، وكلاهما يقر باستقلال القضاء واحترام احكامه، وكلاهما يرفض الفساد ويؤيد بناء دولة القانون والمؤسسات.

لكن نقطة الاختلاف تكمن في تحديد موضع القلق الرئيسي. فالمسلمي يرى ان الخطر الاكبر يتمثل في تراجع مساحة الحرية المتاحة للصحافة، بما قد يحد من قدرتها على كشف التجاوزات ومراقبة مراكز النفوذ. بينما يرى محمد عبد العزيز ان الخطر الاكبر يتمثل في التهاون مع الاخطاء المهنية التي قد تضر باشخاص لم تثبت بحقهم الاتهامات المنشورة.

وهنا تبرز قضية جوهرية تتعلق بطبيعة العمل الصحفي نفسه. فالصحافة ليست مجرد نقل للاحداث، بل هي مسؤولية تتعلق بالتدقيق والتحقق والتوازن. كما انها في الوقت نفسه ليست عملا خاليا من المخاطر، لان البحث عن الحقائق وكشف التجاوزات يضع الصحفي احيانا في مناطق معقدة تتداخل فيها المعلومات والمصالح والوقائع غير المكتملة.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر الى المقالين باعتبارهما دفاعا عن قيمتين متكاملتين لا متعارضتين. فالمسلمي يدافع عن حق المجتمع في المعرفة، وعن ضرورة توفير بيئة تسمح للصحافة بالقيام بدورها دون خوف. ومحمد عبد العزيز يدافع عن حق الفرد في الانصاف، وعن ضرورة الا تتحول حرية النشر الى وسيلة للمساس بالسمعة والحقوق دون بينة كافية.

والتجارب الحديثة تؤكد ان المجتمعات الناجحة هي التي استطاعت تحقيق التوازن بين هذين الحقين. فلا صحافة قوية من دون حرية، ولا صحافة محترمة من دون مسؤولية. كما لا عدالة حقيقية اذا شعر الناس ان حقوقهم يمكن ان تنتهك عبر النشر دون ضوابط، ولا حياة عامة سليمة اذا خافت الصحافة من الاقتراب من قضايا الفساد والتجاوزات.

ولذلك فان القضية المطروحة لا ينبغي النظر اليها باعتبارها مواجهة بين الصحافة والقضاء، او بين الحرية والمسؤولية، بل باعتبارها فرصة لمراجعة الكيفية التي يمكن بها تعزيز المهنية الصحفية وتطوير البيئة القانونية بما يحفظ الحقوق جميعها. فكلما ارتفعت معايير الدقة والتحقق في العمل الصحفي، وكلما توفرت ضمانات العدالة والانصاف، اقترب المجتمع من بناء علاقة صحية بين الاعلام والقضاء والجمهور.

وفي تقديري ان اهم ما يخرج به القارئ من هذا السجال هو ان الحقيقة لا يحرسها طرف واحد. فالقضاء يحميها عبر القانون، والصحافة تخدمها عبر البحث والكشف، والمجتمع يستفيد منها حين تتكامل هذه الادوار في اطار من الحرية والمسؤولية والعدالة.

*الشاذلي عبد اللطيف*

 

زر الذهاب إلى الأعلى