مقالات

نقوش على دفتر الجهاد!.

*نقوش على دفتر الجهاد!.*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

نحن لم نكبر كما كبرتم أنتم…

لم نحتفل ببلوغنا في كنف أمهاتنا؛ لقد كبرنا دفعة واحدة على وقع المدافع وأزيز المسيرات، وأطفأنا شموع صبانا ونحن ننتشل أجساد رفاقنا المحترقة، شابت ملامحنا باكرا، لأن ما رأيناه من بشاعات الجنجويد قبل إلتحاقنا بساعات القتال كان كافيا ليسرق من وجوهنا كل أثر للطفولة.

أجلس الآن بين من تبقى من الإخوة… حرارة الرمل تكوي الجباه، ونحن نسرق ضحكة متعبة من قلب المعركة، لكن بمجرد أن تنفرج شفاهنا لنضحك أو نبتسم، تداهمنا الذكرى، فتعتصر قلوبنا وتخنق أنفاسنا.. أتلفت باحثا عن ملامح ألفتها، عن رشفة ماء كنا نتقاسمها، فلا أجد إلا فراغا يبتلع روحي، وندبة غائرة في صدري ترفض أن تندمل.

محمد نصر الدين..

أخي، وقطعة من روحي قد بترت. حين صعد إلى ربه لم يكن قد أتم عامه الثامن عشر. كان يصغرني بأشهر، لكنه سبقني بأجيال من البذل والتجرد والفداء، من المدرعات، إلى مدرسة 02، مرورا بمتحرك مسك الختام، وصولا إلى ذلك العرس الدامي في أبقعود.. لم يساق إلى معركة قط، بل كان يمضي إليها طائعا، تسبقه قناعة بأن ماعند الله خير وأبقى، وكأن كفنه فصل سلفا على مقاس قلبه.

أسر لي يوما بأنه لن يسمح لهم بأسره، وأن الحديد سيلتقي بالحديد، وسبحان من صدق وعده، فهذا ما حدث تماما.

وهي ذات الرسالة التي تركها أمين حين هتف مقسما لأبن عمر، أن بعربتنا هذه سنعبر إلى الجنة.

لكن يا أحبابي..

(ما قصرتوا معاي)، لا أعيب عليكم شيئا سوى أنكم مضيتم جميعا وتركتموني وحدي.

هل يدرك أحدكم قسوة أن ينتزع طاقمك بأكمله من بين يديك في لمح البصر، وتترك أنت تكابد بقاءك بظهر مكسور؟

في تلك اللحظات، كان القرنوف في يدي محمد يصب الغضب صبا، يرمي العدو بشراسة من طلق الدنيا بلا رجعة، وحين بلغ الالتحام أشده، تعامل مهند مع مدرعتين، وانقض أمين بعربتنا في فدائية مجنونة ليصدم عربة البغاة وجها لوجه.. تطاير الحديد، وارتجت الأرض، وانقلبت عربة الأعداء لتنقلب معها عربة إخوتي.

انقشع غبار المعركة، ومضت ثلاثة أيام…

ركضت أتعثر في دموعي باحثا عنه، لأجد أن الرأس الذي طالما أسندته إلى كتفي في ليالي الحراسة قد تهشم تماما. تهشم ذلك الرأس الذي كان يضج بأحلام الصبا المؤجلة، وسال دمه ليطهر ترابا دنسه المرتزقة.

كيف تخط يميني هذه الحروف؟

إنها دمائي تنزف ومعاد صياغتها في شكل كلمات..

كيف أستوعب أن هذا القلب قد سكن للأبد؟ أتساءل في وحشتي هل سيتذكر الناس قصتهم أم سيطويها النسيان في زحمة هذا الخراب؟

هل سيعرف الناس أن فتى في الثامنة عشرة رفض الانحناء للمذلة، فخرج يدفع ضريبة البقاء من دمه ولحمه، وسقط يحمل كرامته ليغلي دم الأحرار في أوردتنا؟

لقد ترك أفراد طاقمي الراحلون.. مهند، وأواب، والطاهر، ومزيد، مؤيد هاشم وأحمد الشفيع، وأمين حسن هارون، ومحمد نصر الدين.. تركوا في عنقي أمانة تهد الحيل. و ورثت عنهم تركة من الوجع والفخر عجز عن حملها ظهري المتعب، صرت أرى في كل نافذة مغلقة وفي كل شارع مدمر ثمنا باهظا دفعوه من أعمارهم الغضة. أمهاتهم تبكي شبابا ابتلعته المحرقة، وأنا أبتلع غصتي وأكتم حسراتي كي لا أتهاوى، لأن السقوط خيانة لدماء لا تزال تبلل يدي.

لن أبرح …

سأظل مرابطا أرقب الصبح الذي سيشرق على بلادنا بعد أن نمزق شريعة هؤلاء القتلة، وأحرس ترابا تعجن بلحم إخوتي كي لا تدوسه أقدام الغزاة.

لذا، أسألكم بالله العظيم..

أسألكم وأنتم آمنون في بيوتكم -كما عبر أحد أخواني سابقا في منشور على صفحته- أن تدموا أقدامكم وجباهكم على سجادات الصلاة في جوف الليل.. ادعوا لهذا البلد النازف بالنصر، وللمجاهدين والمقاتلين بالنصر والتمكين… لكنني أضيف:

ادعوا لي..

ادعوا لي بصدق المتذلل المنكسر أن يرزقني الله الشهادة، فقد أكل البقاء من روحي حتى أنهكني، ادعوا أن يجمعني بطاقم الأخيار، عساي ألتقيهم قريبا تحت ظل عدالة ربانية، لنستريح معا من ثقل هذا العالم الدنيء.

وكما قال ود العوض (لي رفقة سبقت)، أقول لكم قد قالها الشهيد محمد نصر الدين ومضى

قَالَ الشَّهِيدُ لَنَا

يَا إِخْوَتِي، إِنِّي قَدْ طَالَ بِي زَمَنِي

قَدْ ذُقْتُ رَائِحَةً

طَالَتْ تُرَاوِدُنِي، وَالْعُمْرُ أَمْهَلَنِي

نَفْسِي تُحَدِّثُنِي

إِنِّي مُفَارِقُكُمْ، شَوْقًا تُوَاعِدُنِي

فَالْوَعْدُ مُذُ أَمَدٍ

قَدْ كَانَ مَكِّيًّا، لَكِنَّهُ مَدَنِيٌّ

أَجَلِي تُقَارِبُهُ

هَذِهِ الْمَزَامِيرُ، عَادَتْ تُهَدِّهِدُنِي

يَا إِخْوَتِي، إِنِّي

لَسْتُ مُرَاقِبَكُمْ، لَا مُتْعَبٌ بَدَنِي

قَدْ جَاءَ مَوْعِدُنَا

شَوْقًا سَنَفْتَرِقُ، حِينًا مِنَ الشَّجَنِ

جَسَدِي يُغَالِبُنِي

خَارَتْ عَزَائِمُهُ، شَجْوَى تُدَاعِبُنِي

إِنِّي وَنَائِبَتِي

صِنْوَانٌ قَدْ صِرْنَا، فِي هَذِهِ الْمُدُنِ

حَاشَايَ أَنْسَاكُمْ

لَكِنَّ نَافِذَتِي، لَيْلًا تُؤْرِقُنِي

لِي رِفْقَةٌ سَبَقَتْ

قَدْ تُقْتُ لُقْيَاهَا، شَوْقًا إِلَى عَدَنٍ

إِنِّي أَنَا وَأَنَا

لَا مُبْحِرٌ سُفُنِي، تَرْسُو عَلَى وَجَنِي

قَلَمِي يُصَدِّقُنِي

يَوْمًا سَيُخْبِرُكُمْ، أَنْتُمْ مَعِي وَطَنِي

فَالنَّصْرُ مَوْعِدُنَا، وَالْحَوْضُ يَجْمَعُنَا، غَالٍ بِلَا ثَمَنِ

بُشْرَايَ لِقْيَاكُمْ

لَا خَوْفَ يَغْشَاكُمْ، لَا شَيْءَ مِنْ حَزَنِ

*عباس خالد*

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى