أديس أبابا… انفضَّ السيرك

*أديس أبابا… انفضَّ السيرك*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
عادوا إلى فنادقهم في المنافي المختلفة؛ بعضهم إلى الخليج، وآخرون إلى نيروبي، وغيرهم إلى أوروبا. انتهت اجتماعات أديس أبابا، وانفضَّ الجمع كما انفضَّت لقاءات كثيرة سبقتها، دون أن يقترب المشاركون خطوة واحدة من معاناة الشعب السوداني الحقيقية.
لم يتحدث أحد عن العودة إلى الوطن الذي يدّعون النضال باسمه، ولم نسمع عن مشروع عملي يخفف آلام المواطنين الذين أنهكتهم الحرب والنزوح والفقر. وبينما أصدرت الحكومة عفوًا لكل من جنح إلى السلام، واستقبلت مقاتلين من قوات الدعم السريع اختاروا العودة إلى صف الوطن، لم يتقدم أحد من قادة الأحزاب والتنظيمات المجتمعة في الخارج بخطوة مماثلة نحو المصالحة الوطنية أو العودة إلى الداخل للمشاركة في إعادة بناء البلاد.
لقد أصبح المشهد مكررًا بصورة تدعو إلى الأسى؛ اجتماعات وفنادق وبيانات ختامية وصور تذكارية، بينما يبقى المواطن السوداني وحده من يدفع ثمن الصراع السياسي الممتد لعقود. فالنازح ينتظر مأوى، والمزارع ينتظر الأمن ليعود إلى أرضه، والتاجر ينتظر الاستقرار ليباشر عمله، والطالب ينتظر مدرسة، والمريض ينتظر مستشفى.
إن السودان اليوم بحاجة إلى رجال دولة لا إلى هواة مؤتمرات. بحاجة إلى من يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الحزبية والشخصية، وإلى من يختار العودة إلى الداخل والعمل وسط الجماهير بدلاً من إدارة الشأن الوطني من صالات الفنادق المكيفة.
لقد أثبتت التجارب أن الحلول المستوردة من الخارج لا تصمد طويلًا، وأن أي مشروع وطني حقيقي لا بد أن ينطلق من داخل السودان، ومن إرادة السودانيين أنفسهم. فالوطن لا يُبنى بالبيانات ولا بالشعارات، وإنما بالعمل والتضحية وتحمل المسؤولية.
أما الشعب السوداني، فقد أصبح أكثر وعيًا من أي وقت مضى. وهو يدرك تمامًا من بقي معه في المحنة، ومن اكتفى بإلقاء الخطب من وراء الحدود. وسيأتي اليوم الذي يكتب فيه التاريخ أسماء الذين اختاروا الوقوف مع الوطن، وأسماء الذين اكتفوا بمشاهدة معاناته من شرفات الفنادق.
انفضَّ السيرك، وعاد الجميع إلى حيث أتوا، لكن السودان باقٍ، وشعبه باقٍ، وسيظل الأمل معقودًا على أبنائه المخلصين الذين يعملون من أجل مستقبله لا من أجل مواقعهم السياسية.
*د.عبدالرؤوف قرناص*



