اخبار عملياتية

الجيش السوداني في مرآة مؤشر القوة العسكرية العالمي

*الجيش السوداني في مرآة مؤشر القوة العسكرية العالمي*

➖🔴➖

*(مُهرة نيوز)*

قراءة نقدية في تقرير Global Firepower Index لعام ٢٠٢٦

مقدمة:

يُصدر موقع Global Firepower سنوياً تقريره لترتيب القوى العسكرية في العالم استناداً إلى أكثر من ستين مؤشراً موزَّعة على ست فئات رئيسية: القوى البشرية والمعدات والموارد المالية والإمكانات اللوجستية والموارد الطبيعية والجغرافيا. ويعتمد التقرير صيغةً خاصة تُتيح للدول الأصغر ذات التقنية المتقدمة التنافس مع الدول الأكبر حجماً، مع تطبيق معاملات ترجيح خاصة تُضاف وتُخصَم لتنقية القائمة النهائية.

قبل الغوص في أرقام السودان تحديداً، لا بدَّ من استحضار تحفظ جوهري يُقرُّ به التقرير صراحةً، وهو أن المؤشر لا يُرجِّح قيمة الأصول العسكرية بناءً على قدرتها أو حالتها — فالمدمرة البحرية المُصنَّعة عام 1993 والحاملة المُصنَّعة عام 2023 تُحتسبان وحدةً واحدة، مما دفع المنتقدين إلى القول بأن هذا يُضخِّم درجات الجيوش التي تمتلك معدات كثيرة لكن متقادمة. هذا التحفظ بالغ الأهمية لقراءة الوضع السوداني تحديداً كما سنرى.

الترتيب العام — الرقم والسياق:

في تقرير هذا العام جاء السودان في المرتبة السادسة والستين عالمياً من أصل مائة وخمس وأربعين دولة، بمؤشر قوة بلغ 1.3563 — علماً بأن الصفر هو الدرجة المثالية النظرية غير القابلة للتحقيق.

أفريقياً جاء السودان في المرتبة الثامنة قارياً، خلف مصر في المرتبة الأولى أفريقياً والتاسعة عشرة عالمياً، والجزائر الثانية أفريقياً والسابعة والعشرين عالمياً، ونيجيريا الثالثة أفريقياً والثالثة والثلاثين عالمياً، وجنوب أفريقيا الرابعة أفريقياً والأربعين عالمياً، وإثيوبيا الخامسة أفريقياً والسابعة والأربعين عالمياً، والمغرب السادسة أفريقياً والسادسة والخمسين عالمياً، وأنغولا السابعة أفريقياً والتاسعة والخمسين عالمياً، وجمهورية الكونغو الديمقراطية الثامنة في أفريقيا والرابعة والستين على مستوى العالم.

والأهم في هذا السياق أن السودان كان من بين أربع عشرة دولة أفريقية صعدت في الترتيب عام 2026 مقارنةً بالعام السابق، وهو ما يعكس ظاهرة حسابية أكثر من كونه تحسُّناً حقيقياً في القدرة، إذ يعكس إعادة احتساب المؤشر وليس تطوراً ميدانياً.

القوى البشرية — الكم والكيف:

حسب التقرير يمتلك السودان نحو خمسمائة وسبعة عشر ألف عسكري، منهم ثلاثمائة الف عنصر نظامي ومائتي الف عنصر احتياط وسبعة عشر ألف قوات شبه عسكرية، وذلك من إجمالي السكان البالغ نحو خمسين مليون نسمة.

من جهته يكشف موقع globalmilitary.net وهو موقع مستقل يجمع بيانات من مصادر متعددة ، إن عدد القوات النظامية السودانية الفعلية وفق بياناته لعام 2026 هي مائة وأربعة وأربعين ألف عنصر نظامي فقط وبمعدل 2.1 عسكري لكل ألف مواطن ، بل وفي مرة اخرى ينزل بالعدد الفعلي الى مائة واربعة ألف فقط.

هذه الأرقام تكشف التناقض الأوضح والأكثر إيلاماً، فالسودان الذي يخوض حرباً من أشرس الحروب في القارة الأفريقية ضد مليشيا مسلحة تضم مئات الآلاف من المقاتلين، لا يتجاوز عدد عناصره النظاميين الفعليين المائة وأربعة وأربعين ألفاً، وهو رقم أدنى مما تملكه دول أفريقية أصغر مساحةً وأقل تحدياً أمنياً.

المفارقة أن المصادر الرسمية تُشير إلى ثلاثمائة ألف عنصر نظامي وفق آخر تقديرات موثَّقة — مما يعني أن جزءاً كبيراً من هذا العدد إما غير مُفعل ميدانياً أو مُوزَّع في وحدات إدارية ومكتبية لا قتالية أو هو من افراد المليشيات المتعاونة مع الجيش، وهذا بالضبط ما حذَّرنا منه في الجزء الثامن من سلسلتنا في ابريل -مايو ٢٠٢٦ عن الامن القومي حين تحدثنا عن الهدر الوظيفي والتشتت العملياتي.

عند المقارنةً بدول الجوار التي تُمثِّل مصادر تهديد رئيسية، نجد إن مصر وحدها تمتلك 438,500 عنصر نظامي فعلي و479,000 احتياطي و300,000 عنصر شبه عسكري. بمعنى آخر تفوق مصر السودان ب700 الف جندي في العدد الكلي وبما يزيد على ثلاثة أضعاف في العناصر النظامية الفعلية، ناهيك عن التفوق الساحق في الاحتياط والعناصر شبه العسكرية الافضل تدريباً وعتاداً وتسليحاً عندهم.

أما إثيوبيا فتملك 503,000 عنصر نظامي و138,000 احتياط اي انها تتقدم علينا ب124,000 عنصر على الأقل، اذا حسبنا العدد الكلي لجيوشنا، وبثلاثة اضعاف على الأقل اذا حسبنا عدد الجنود النظاميين الفعليين.

القوة الجوية والامكانيات الفعلية :

حسب التقرير يمتلك السودان مائة وأربعة وثمانين طائرة عسكرية من مختلف الأنواع بما فيها واحد وتسعون طائرة قتالية. هذا الأسطول يضم طائرات سوفيتية وصينية من طرازات متعددة الأجيال، أي مقاتلات ميغ-29 وسو-24 وسو-25 وطائرات نانتشانغ Q-5 الصينية، وطائرات نقل من طراز An-26 وIl-76، ومروحيات هجومية Mi-24 ومروحيات نقل Mi-8/17.

هذه الأرقام تبدو مقبولة ظاهرياً لكنها مضلِّلة حين تُقرأ بعمق وواقعية. معظم هذا السلاح متقادم ومعطل ويعاني من مشكلات صيانة مزمنة ، وهنا يظهر التحفظ المنهجي الذي أشرنا إليه في مقدمة هذا المقال،فطائرة سو-24 من سبعينيات القرن الماضي لا تساوي قيمتها العملياتية طائرة F-16 حديثة، لكنهما في المؤشر سواء. أيضاً لا يتناول التقرير الطائرات التي اسقطت أو دمرت اثناء الحرب.

الفجوة الأخطر هي الغياب شبه الكامل لسلاح المسيِّرات كمنظومة مؤسسية منظَّمة، وكذلك للدفاع ضد المسيرات، حين أثبتت حرب أذربيجان-أرمينيا وأوكرانيا وحتى حرب التيغراي الإثيوبية أن المسيِّرات حوَّلت موازين القوى بصورة جذرية. إن إثيوبيا التي أتت في المرتبة السابعة والأربعين عالمياً والخامسة أفريقياً استثمرت بشكل ملحوظ في هذا الجانب.

الأسلحة البرية أو الكم دون الكيف:

وفقاً للتقرير يمتلك السودان نحو مائتين وأربعة وعشرين دبابة رئيسية من أنواع متعددة بما فيها T-72 وT-54/55 وطرازات صينية كالنوع 59 والنوع 96، فضلاً عن ناقلات جند مدرعة BMP-1 وBMP-2 وسلسلة BTR، ومدفعية تجرُّ D-30 وراجمات صواريخ BM-21 غراد.

إن مائتين وأربع وعشرين دبابة – إن صدق هذا العدد بعد الحرب- لدولة بمساحة مليون وثمانمائة ألف كيلومتر مربع وسبعة آلاف كيلومتر من الحدود رقم هزيل بكل المعايير. فأذربيجان — وهي دولة أصغر بعشرات المرات من السودان — تمتلك أربعمائة وسبعة وتسعين دبابة — أي ضعف ما يمتلكه السودان تقريباً.

إن الأسوأ والأخطر من قِلَّة العدد أن معظم هذه الدبابات من طراز دبابات الحرب الباردة المتقادمة وتعاني من مشكلات صيانة حادة — وأن الحرب الراهنة أفقدت الجيش جزءاً كبيراً من هذا السلاح على ايدي مليشيا الدعم السريع.

القوة البحرية والغياب الاستراتيجي الفادح:

يمتلك السودان تسعمائة كيلومتر من الساحل على أحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم، لكن القوة البحرية السودانية تكاد تكون معدومة بالمعنى الاستراتيجي. المؤشر يُصنِّف القوة البحرية السودانية في مستوى متدنٍّ جداً لا يتناسب مع طول ساحله ولا مع أهمية البحر الأحمر.

هذا الغياب البحري هو الفجوة الاستراتيجية الأوضح والأشد خطورة في المنظومة الدفاعية السودانية ، لأن البحر الأحمر مصلحة اقتصادية ودفاعية وسيادية من الدرجة الأولى، والسودان يتركها مكشوفة تاريخياً ويتيح لأطراف إقليمية التغلغل في هذا الفراغ.

الإنفاق الدفاعي بين المعلن والمخفي والمطلوب :

وفقاً للتقرير ينفق السودان نحو 0.9% من ناتجه المحلي الإجمالي على الدفاع بميزانية تبلغ نحو ثلاثمائة وخمسة وسبعين مليون دولار سنوياً.

هذا الرقم غير سليم، إذ إن الإنفاق العسكري أعلى من ذلك ولكنه غير شفاف وغير مرشد . عموماً هذا الرقم المعلن — ثلاثمائة وخمسة وسبعون مليون دولار— يضع الإنفاق الدفاعي السوداني الرسمي في مستوى يصعب تصديقه قياساً بالمعطيات الميدانية وضخامة الحرب الجارية.

مصر مثلاً تُنفق نحو خمسة مليارات ومائة وسبعين مليون دولار على الجيش، أي أكثر من ثلاثة عشر ضعفاً من بلادنا، وهذا يُفسِّر إلى حد بعيد الفجوة الهائلة في القدرات بين الجيشَين.

من جهتها تنفق اثيوبيا ثلاثة مليارات وسبعمائة وواحد وعشرين مليوناً تقريباً على جيشها أي أكثر بعشرة أضعاف مما ينفق السودان في هذا الجانب.

هذا يُجسِّد الفجوة التمويلية الحاسمة التي ناقشناها بتفصيل في الجزأين الثامن والتاسع من سلسلتنا عن الامن القومي.

ما يكشفه المؤشر وما يُخفيه:

المؤشر يكشف ثلاث حقائق صارخة عن الجيش السوداني.

الأولى: إن السودان دولة ذات قوة عسكرية اسمية أكبر بكثير من قوتها العملياتية الفعلية، فالأرقام الاسمية للعناصر والمعدات تُعطي انطباعاً بجيش من الدرجة الوسطى، لكن الجاهزية القتالية والتسليح الحديث والإنفاق الفعلي تُصنِّفه في مستوى أدنى بكثير.

الثانية: الفجوة بين السودان وجيرانه الأكثر تهديداً — مصر وإثيوبيا — ليست فجوة قابلة للسد بعدد الأفراد، بل فجوة نوعية في التسليح الحديث والطيران المتطور والإنفاق المستدام والمؤسسية العسكرية.

الثالثة: الحرب الراهنة أجهزت على جزء كبير من القدرة المرصودة في المؤشر، من معدات ضائعة ومنشآت مدمرة وكوادر مستنزفة، مما يعني أن الأرقام الحالية تُضخِّم القدرة الفعلية للجيش السوداني.

في المقابل يُخفي المؤشر أموراً بالغة الأهمية، حيث لا يقيس الروح القتالية والعقيدة العسكرية ووحدة القيادة — وهي العوامل التي قررت حروباً كثيرة. والمؤشر لا يُقيِّم ما كسبه الجيش السوداني من خبرة ميدانية حقيقية في أصعب أنواع الحروب خلال ثلاث سنوات من المواجهة، ولا يعكس الطاقة الكامنة التي يمكن تحريرها بإصلاح مؤسسي حقيقي.

ما الذي يجب أن يتغير؟

قراءة هذا المؤشر في ضوء ما بنيناه في سلسلة الأمن الوطني الشامل تُظهر خمس أولويات حاسمة.

أولاً — الميزانية الدفاعية الحقيقية: يجب القفز من ثلاثمائة وخمسة وسبعين مليون دولار معلنة إلى مليار وخمسمائة مليون مؤسسية كحد أدنى كضرورة وجودية. هذا الرقم قابل للتحقيق من ضبط عائدات الذهب وحده دون الحاجة لأي مصدر خارجي.

ثانياً — سلاح المسيِّرات كأولوية عاجلة: يجب بناء منظومة مسيِّرات وطنية هجومية واستطلاعية وانظمة دفاع ضد المسيرات مما سيُغيِّر المعادلة العملياتية بتكلفة أدنى بكثير من تحديث الطائرات التقليدية — وهو الدرس الأوضح من حروب العقد الأخير.

ثالثاً — القوة البحرية كاستثمار استراتيجي: بناء قوة بحرية حقيقية في البحر الأحمر يُحوِّل أهم ورقة جيوسياسية سودانية من ثغرة إلى ميزة. فقاعدة بحرية حقيقية في بورتسودان مع سرب من قوارب الدورية والصواريخ الساحلية يُغيِّر معادلة الردع إقليمياً.

رابعاً — جودة التسليح على حساب كميته: جلب خمسين دبابة حديثة من طراز T-90 أو Type 99 أفضل استراتيجياً من مائتين وعشرين دبابة من الطرازات المتقادمة — لأن الأخيرة تستنزف الصيانة ولا تُوفِّر ردعاً حقيقياً.

خامساً — توحيد القيادة : أي رقم في مؤشر Firepower لا قيمة له إذا كانت القوة المرصودة موزَّعة على تشكيلات ومليشيات متعددة القيادة متنافسة السيطرة. الفاعلية القتالية الحقيقية لا تأتي من مجموع الأرقام بل من وحدة القرار وتماسك سلسلة القيادة.

خاتمة:

أن المرتبة السادسة والستين عالمياً والثامنة أفريقياً لجيش يخوض حرباً وجودية ليست شهادة نجاح، بل هي تعبير رقمي عن جيش يمتلك هيكلاً متقادماً مترهلاً ويفتقر إلى التحديث النوعي الذي يُحوِّل الأرقام إلى قوة حقيقية.

لكن المؤشر يكشف أيضاً أمراً مهماً في الاتجاه المعاكس، أن السودان لا ينطلق من الصفر، حبث لديه بنية عسكرية قائمة رغم إشكالياتها، ومجمع صناعي حربي رغم تعثُّره، وكوادر فنية رغم استنزافها، وخبرة ميدانية حقيقية رغم ثمنها الباهظ. إن إصلاح ما هو قائم بإرادة سياسية حقيقية أسرع وأقل كلفة من البناء من الصفر.

إن المنظومة الدفاعية الشاملة التي صغناها في السلسلة عن الأمن القومي ليست حلماً ، بل هي الخطوة المنطقية التالية لدولة تمتلك المقومات وتفتقر إلى الإرادة. وحين تتوافر الإرادة ستتغير الأرقام في المؤشر القادم، لكن الأهم أن تتغير الحقيقة على الأرض قبل أن تتغير في الجداول.

عادل عبد العاطي

٤ يونيو ٢٠٢٦م

المؤشرات المهمة:

تصنيف دول العالم:

https://www.globalfirepower.com/countries-listing.php

تقييم السودان العام:

https://www.globalfirepower.com/country-military-strength-detail.php?country_id=sudan

مقارنة السودان بمصر:

https://www.globalfirepower.com/countries-comparison-detail.php?country1=egypt&country2=sudan

مقارنة السودان بإثيوبيا:

https://www.globalfirepower.com/countries-comparison-detail.php?country1=ethiopia&country2=sudan

تقييم السودان في موقع globalmilitary.net :

https://www.globalmilitary.net/countries/sdn/

 

زر الذهاب إلى الأعلى