الخرطوم لا تُؤمَّن بالعواطف

*الخرطوم لا تُؤمَّن بالعواطف*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
أخطر ما يمكن أن تفعله الدول وهي تخوض حربًا وجودية… أن تخلط بين “الاستفادة من الانشقاقات” و”الثقة في المنشقين”.
فالمنشق ليس ملاكًا هبط من السماء، كما أنه ليس بالضرورة قنبلة موقوتة.
لكنه — في العلوم الأمنية — جسم عالي الخطورة، لا يُعامل بالهتاف، ولا يُترك للرأي العام، ولا يُدار بعقلية “الناس فرحانة برجوع أولادها”.
الدولة التي تحترم أمنها لا تستقبل الخارجين من التمرد بالأغاني، بل بالإجراءات.
ولا تفتح لهم قلب العاصمة، بل تفتح لهم ملفات التحري.
ولا تسمح لهم بالحركة الحرة قبل أن تُغلق كل الاحتمالات السوداء التي قد يحملونها معهم، سواء بإرادتهم أو تحت الإكراه أو عبر الاختراق الاستخباري المركب.
المشكلة الآن ليست في انشقاق النور قبة أو السافنا أو غيرهم.
المشكلة في الطريقة التي قرأ بها الشارع — وبعض الإعلام — المشهد.
هناك من تعامل مع الأمر كأنه نصر نفسي كامل.
وهناك من تعامل معه كأنه مؤامرة كاملة.
والحقيقة أن الحروب لا تُدار بهذين الانفعالين.
في كل حروب التمرد في العالم، كانت الانشقاقات جزءًا طبيعيًا من لحظة الانهيار.
لكن كل الجيوش المحترفة كانت تعرف شيئًا مهمًا جدًا:
المنشق عن التمرد يحمل داخله ثلاثة أشياء في وقت واحد:
معلومات مفيدة.
ومخاوف مشروعة.
واحتمالات خطيرة.
ولذلك لم تكن الجيوش الرشيدة تسأل السؤال العاطفي:
“هل نثق فيهم؟”
بل تسأل السؤال المهني:
“كيف نُحيّد خطرهم ونستفيد منهم في الوقت نفسه؟”
في العراق بعد الصحوات، لم تسمح القوات الأمريكية ولا الحكومة العراقية لعناصر القاعدة المنقلبين عليها بالانتشار الحر داخل المدن الحساسة قبل مراحل فرز أمني واستخباري طويلة، لأنهم كانوا يدركون أن بعض العائدين صادقون، وبعضهم انتهازيون، وبعضهم خلايا نائمة تنتظر الإشارة.
وفي كولومبيا، حين سلّمت عناصر فارك نفسها، لم تُدمج مباشرة داخل المدن ولا داخل البنية العسكرية، بل خضعت لمعسكرات مراقبة وعزل وإعادة تقييم نفسي واستخباري استمرت أشهرًا، لأن الدولة هناك فهمت قاعدة الحرب الأهم:
المقاتل الخارج من التنظيم لا يخرج من عقيدته في لحظة.
وفي الجزائر، بعد سنوات الدم، كانت أجهزة الأمن تتعامل مع “التائبين” بمنطق مزدوج:
الاستفادة المعلوماتية القصوى… مع أعلى درجات الحذر الوقائي.
لأن الدولة التي تنسى أن الاختراق الاستخباري جزء من عقيدة المليشيات… دولة تفتح أبوابها للكارثة بنفسها.
الذي أخاف الناس الآن ليس فقط عودة المنشقين.
بل الصور.
الاستعراض.
الحركة داخل المدن.
الزي العسكري للمليشيا.
التصريحات المستفزة.
الظهور وكأن شيئًا لم يكن.
هذه التفاصيل الصغيرة أخطر نفسيًا من الرصاص أحيانًا.
المواطن الذي عاش الرعب، ورأى القتل والنهب والانتهاكات، لا يملك الترف النفسي ليرى ذات الزي الذي اقتحم بيته يتحرك بحرية داخل مناطقه الآمنة ثم يُطلب منه الاطمئنان.
الحرب النفسية لا تُقرأ من منظور العسكري فقط… بل من زاوية المواطن المرهق الذي يريد أن يشعر أن الدولة استعادت السيطرة الكاملة.
وهنا أخطأت بعض المنصات الإعلامية المؤيدة للجيش حين تعاملت مع المخاوف الشعبية باعتبارها تشكيكًا في القوات المسلحة.
وهذا خطأ خطير.
لأن المواطن ليس مطلوبًا منه أن يكون خبيرًا أمنيًا.
ومن حقه أن يخاف.
ومن واجب الدولة أن تطمئنه بالإجراءات لا بالشعارات.
الناس لا تريد بيانات مطمئنة فقط.
الناس تريد أن ترى الدولة وهي تفرض السيطرة.
أن ترى:
معسكرات فرز.
تجريدًا كاملًا للسلاح.
منعًا للحركة غير المقننة.
عزلًا استخباريًا.
تحقيقات دقيقة.
تصنيفًا أمنيًا.
مراقبة اتصالات.
بناء قواعد بيانات.
تفكيك شبكات التمويل والارتباط.
هذا ليس تشددًا.
هذا هو ABC الأمن القومي.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن… هو أن تتحول الانشقاقات إلى فوضى غير مُدارة.
وهنا يجب قول الحقيقة كما هي:
نعم… هناك احتمال اختراق.
ونعم… هناك احتمال أن تكون بعض العناصر قد دُفعت دفعًا نحو “الاستسلام التكتيكي”.
ونعم… هناك احتمال وجود عناصر تحمل مهام استخبارية أو إحداثيات أو مهام رصد أو خلايا انتظار.
هذا ليس تهويلًا.
هذه طبيعة الحروب الحديثة.
المليشيا التي استخدمت المسيّرات، والاتصالات، والخلايا المدنية، والرصد داخل المدن، ليست عاجزة عن التفكير في زرع عيون داخل مناطق الدولة الآمنة.
لكن في المقابل، هناك حقيقة أخرى لا يريد البعض الاعتراف بها:
الانشقاقات نفسها دليل انهيار.
التنظيم المتماسك لا يهرب قادته.
ولا تتفكك حواضنه.
ولا يبدأ مقاتلوه في البحث عن مخارج فردية.
الذي يحدث داخل المليشيا الآن يحمل علامات الانهاك الكلاسيكي لأي تمرد إفريقي طويل:
صراع الموارد.
أزمة القيادة.
التمييز القبلي.
انهيار الثقة.
اقتصاد الحرب.
تعدد مراكز القرار.
الإحساس بالهزيمة.
لكن لحظات التفكك هي أيضًا أخطر لحظات العدو.
الذئب الجريح أكثر شراسة أحيانًا من الذئب القوي.
ولهذا فإن التفكير الاستراتيجي لا يجب أن يقع في فخ النشوة.
ولا في فخ الذعر.
الجيش — على الأرجح — يملك تقديراته وإجراءاته التي لا تظهر للعلن، لأن المؤسسات العسكرية لا تكشف كل شيء في زمن الحرب، لكن هذا لا يمنع من وجود ثغرات في الإدارة الإعلامية للمشهد.
فالفراغ الإعلامي تملؤه الشائعات دائمًا.
وحين لا تشرح الدولة للناس حدود الإجراءات والضوابط، يبدأ المواطن في بناء روايته الخاصة، وتبدأ غرف الخصم في ضخ الرعب المنظم.
وهنا تدخل الحرب النفسية أخطر مراحلها.
هناك من يريد تحويل كل منشق إلى بطل.
وهناك من يريد تحويل كل منشق إلى حصان طروادة.
بينما الدولة الذكية لا تتعامل بالعاطفة مع الاثنين.
بل تعتبرهم ملفات أمنية عالية الحساسية.
ولهذا فإن المطلوب الآن ليس إغلاق باب العودة تمامًا، لأن ذلك قد يدفع المترددين داخل المليشيا للقتال حتى النهاية، وليس فتح الباب بلا ضوابط حتى يشعر الناس أن العاصمة تُدار بالعشوائية.
المطلوب هو “ممرات انشقاق آمنة… ولكن مُحكمة”.
هذه هي المعادلة الصعبة.
أن تُشجع الانهيار داخل العدو… دون أن تسمح للعدو بأن يدخل مع انهياره إلى عمقك الأمني.
وهي معادلة لا تُدار بالنيات الحسنة.
بل بعقيدة أمنية قاسية ومحترفة.
يجب أن يفهم الناس أن الدولة هو القوية لا تخاف من المنشقين… لكنها أيضًا لا تثق فيهم بسرعة.
تستفيد منهم.
تستجوبهم.
تراقبهم.
تفكك شبكاتهم.
ثم تقرر لاحقًا ماذا تفعل بهم.
أما ترك المشهد بلا انضباط بصري ونفسي وأمني، فهو ما يصنع القلق الشعبي الحالي.
والمواطن حين يقلق على عاصمته لا يجوز تخوينه.
بل يجب احترام خوفه.
لأن الخرطوم دفعت ثمنًا لا يسمح بالاستهانة بالمخاوف مرة أخرى.
الحروب لا تُهزم فقط بالسلاح.
بل تُهزم أيضًا حين يشعر المواطن أن الدولة يقظة أكثر من العدو.
وهذا هو الامتحان الحقيقي الآن.
ليس في استقبال المنشقين…
بل في كيفية منعهم من التحول إلى ثغرة، أو شائعة، أو فوضى، أو أداة حرب نفسية جديدة.
فالبلاد التي خرجت من تحت الرماد لا تحتمل رفاهية السذاجة.
ولا تُؤمَّن بالعواطف.
بل بالحِيطة… والشك المهني… والعين المفتوحة حتى آخر الحرب.
*لؤي اسماعيل مجذوب*
___________
*للانضمام لـ (مُهرة 1)*
https://chat.whatsapp.com/I1BmnbNrRP2EdeGsDoQXn6?mode=gi_t



