اعمدة مهرة

عندما تتحول العلاقات إلى عبودية ناعمة

*عندما تتحول العلاقات إلى عبودية ناعمة*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

ليست كل العلاقات المؤذية تبدأ بصدام أو إساءة واضحة، فبعضها يتسلل بهدوء تحت غطاء الود والاهتمام والاحتواء، حتى يجد الإنسان نفسه داخل علاقة تستنزفه نفسيًا دون أن ينتبه متى بدأ ذلك بالضبط.

في كثير من العلاقات المعاصرة أصبح الحضور العاطفي يُطلب من طرف واحد فقط؛ شخص مطالب دائمًا بالسؤال، والاطمئنان، والاستماع، والتفهم، وتقديم الدعم النفسي المستمر، بينما لا يجد في المقابل الحد الأدنى من المبادلة الإنسانية. ومع الوقت، لا يعود الأمر تصرفًا عابرًا، بل يتحول إلى نمط اجتماعي مرهق يتكرر في الصداقات، والعلاقات الأسرية، ودوائر الزمالة وحتى أقرب العلاقات.

الأمر لا يتعلق بالطلبات المادية وحدها، بل يتجاوزها إلى الاستنزاف المعنوي. يلومك أحدهم لأنك لم تتصل، لكنه لا يسأل يومًا عن ظروفك أو تعبك. يشاركك كل متاعبه وتفاصيله اليومية، ثم يغلق الحديث سريعًا عندما تبدأ أنت بالكلام، وكأن دورك يقتصر على الإنصات فقط، لا على أن تُسمَع وتُفهَم كذلك.

وهنا تظهر أخطر صور العلاقات غير المتوازنة؛ حين يتحول الإنسان إلى مساحة احتواء دائمة للآخرين، بينما يتم تجاهل احتياجاته الشعورية باعتبارها أمرًا ثانويًا. إنها حالة أقرب إلى “العبودية الناعمة”، لا أوامر فيها ولا قيود ظاهرة، لكن هناك توقع دائم بأن تكون حاضرًا ومتفهّمًا ومتجاوزًا في كل وقت، دون أن تمتلك الحق نفسه في التعب أو الغياب أو الاحتياج.

المشكلة أن هذا السلوك يُمارس غالبًا تحت عناوين براقة مثل الوفاء والطيبة والشهامة، حتى أصبح البعض يظن أن الإنسان الجيد هو الذي يستهلك نفسه بصمت ويظل متاحًا للجميع مهما تم تجاهله أو استنزافه.

ولعل هذا ما يفسر كثرة الانسحابات الصامتة والخلافات المفاجئة في العلاقات اليوم. فكثير من الناس لا يهربون من الآخرين بسبب الكراهية، بل بسبب الإرهاق النفسي الناتج عن علاقات فقدت توازنها الإنساني، وتحولت إلى عملية أخذ مستمرة من طرف، وعطاء صامت من طرف آخر.

العلاقات الصحية لا تقوم على الاحتياج وحده، بل على التبادل الإنساني العادل؛ أن تجد من يسمعك كما يسمع لنفسه، ويبحث عنك كما يبحث عن راحته، ويشعرك أنك إنسان له قيمة، لا مجرد وظيفة شعورية متنقلة.

*….ابو يامن….*

___________

*للانضمام لـ (مُهرة 1)*

https://chat.whatsapp.com/I1BmnbNrRP2EdeGsDoQXn6?mode=gi_t

زر الذهاب إلى الأعلى