اعمدة مهرة

الخرطوم لا تشفي بالعفو المرتبك

*الخرطوم لا تشفي بالعفو المرتبك*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

أخطر ما يمكن أن تفعله الدولة وهي تخوض حربًا بهذا القدر من الوحشية… أن تخلط بين “الاستفادة من الانشقاقات” و”إسقاط الحق العام والخاص”.

فالانشقاقات في العلوم العسكرية والأمنية ليست خطأ. بل أداة من أدوات الحرب. وكل جيش محترف في العالم يسعى لتفكيك خصمه من الداخل قبل تدميره بالنار.

لكن الكارثة تبدأ حين تتحول هذه الأداة إلى حالة فوضى أخلاقية وسياسية يشعر معها المواطن أن دماءه أصبحت مجرد تفصيل قابل للتجاوز، وأن القاتل يستطيع أن يعبر من بوابة “التوبة العسكرية” دون أن يمر على بوابة العدالة.

هنا تحديدًا يبدأ الخطر الحقيقي.

ليس خطر المليشيا… بل خطر الشرخ الصامت بين الدولة والمواطن.

الدولة الآن تنظر إلى الانشقاقات باعتبارها اختراقًا استراتيجيًا يسرّع انهيار التمرد، وهذا صحيح جزئيًا. لكن المواطن ينظر إلى المشهد بعين أخرى: يرى رجالًا كانوا بالأمس يقتحمون البيوت، ويهينون الناس، وينهبون الممتلكات، ويقتلون الأبرياء، ثم يتحركون اليوم بحرية، وبعضهم يحتفظ بسلاحه، وبعضهم يظهر في فيديوهات متحدية، وكأن شيئًا لم يكن.

هنا لا يعود السؤال: هل الانشقاقات مفيدة عسكريًا؟

بل يصبح السؤال الأخطر: كيف تمنع الدولة تحوّل الانشقاقات إلى إهانة نفسية للضحايا؟

هذه هي القضية التي لم تُجب عنها السلطة حتى الآن.

الحرب ليست فقط معركة ميدان. الحرب أيضًا معركة شعور عام. وحين يشعر المواطن أن الدولة تتسامح مع من أذله… تبدأ الثقة في التآكل، حتى لو كانت الدولة تكسب المعركة عسكريًا.

ولهذا فإن عبارة: “حضن الوطن مفتوح” لا تكفي وحدها.

لأن الوطن ليس السلطة وحدها. الوطن أيضًا هو الأم التي قُتل ابنها. وهو المرأة التي سُلب أمنها. وهو النازح الذي عاد فوجد بيته رمادًا. وهو الطفل الذي كبر فجأة لأن الحرب سرقت منه أباه.

هؤلاء ليسوا ديكورًا جانبيًا في مشهد التسويات.

هؤلاء أصل القضية.

ومن أكبر الأخطاء الجارية الآن محاولة تصوير كل من ينشق عن المليشيا باعتباره “وطنيًا عاد إلى رشده”. هذا تبسيط خطير. فالمنشقون ليسوا نوعًا واحدًا.

هناك من انشق خوفًا من الهزيمة. وهناك من انشق بسبب الصراع القبلي داخل المليشيا. وهناك من انشق لأن المال توقف. وهناك من يحاول تأمين مصالحه ومزارعه وذهبه وأمواله. وهناك من يريد النجاة من المصير القادم. وهناك من قد يكون فعلًا راجع نفسه.

الدولة ليست مطالبة بتصديق النوايا. الدولة مطالبة بإدارة الخطر.

وهنا الفرق بين الدولة العاقلة والدولة المرتبكة.

الدولة العاقلة لا ترفض الانشقاقات. لكنها أيضًا لا تمنح صكوك البراءة المجانية.

بل تتعامل مع الملف بعقل أمني وقانوني بارد: الاستفادة العسكرية أولًا… ثم الفرز… ثم التحقيق… ثم المحاسبة.

لا يوجد جيش محترف يرفض استسلام خصمه أثناء الحرب. لكن لا يوجد أيضًا جيش محترف يخلط بين “الاستسلام” و”الإفلات من العقاب”.

وهذه النقطة هي التي يجب أن تُقال بوضوح دون نفاق أو مزايدة أو تطبيل.

من سلّم نفسه لا يعني أنه أصبح بريئًا. ومن انشق لا يعني أنه سقطت عنه الحقوق. ومن تعاون استخباريًا لا يعني إعفاءه من الجرائم.

الحقوق لا تسقط بالاصطفاف المتأخر.

وهنا يجب أن تنتبه الدولة إلى أخطر ما يتشكل الآن تحت السطح: الغضب المكتوم.

المواطن السوداني صبر بصورة تفوق قدرة البشر على الاحتمال. لكن الصبر شيء… والشعور بالإهانة شيء آخر.

وحين يرى المواطن أن الذين روّعوه يتحركون بلا مساءلة، بينما يُطلب منه الصمت باسم “المصلحة الوطنية”، فإن الاحتقان يبدأ في التحول إلى عداء صامت ضد السلطة نفسها.

هذه مرحلة شديدة الخطورة.

لأن الدول لا تنهار فقط بسبب السلاح… بل أحيانًا بسبب انهيار الإحساس بالعدالة.

ولهذا فإن المطلوب الآن ليس خطابًا عاطفيًا عن التسامح. ولا خطابًا انتقاميًا منفلتًا. بل بناء نموذج واضح وحاسم لإدارة ملف المنشقين والمستسلمين.

نموذج يقوم على خمسة مبادئ لا غنى عنها:

أولًا: الفصل الكامل بين “الاستفادة العسكرية” و”المحاسبة القانونية”. يمكن استخدام المنشق أمنيًا أو استخباريًا أو ميدانيًا… لكن ذلك لا يمنحه حصانة من التحقيق.

ثانيًا: التجريد الكامل من السلاح فور الاستسلام. لا استثناءات. ولا قوات تحتفظ بتنظيمها داخل المدن. ولا وجود مسلح خارج سيطرة الجيش. لأن أي تهاون هنا يعني صناعة خلايا مؤجلة الانفجار.

ثالثًا: إنشاء مسار عدلي خاص بجرائم الحرب والانتهاكات والحقوق الخاصة. ليس بغرض الانتقام… بل لحماية الدولة نفسها من الانهيار الأخلاقي. فالضحايا إذا فقدوا الثقة في العدالة… سيبحثون عنها خارج الدولة.

رابعًا: التمييز بين من تورطوا في الدماء والانتهاكات… وبين المغرر بهم أو المجبرين أو صغار السن أو الذين لم تثبت ضدهم جرائم. العدالة لا تعني العمى. بل تعني الدقة.

خامسًا: إشراك المجتمع والضحايا في أي تسوية مستقبلية. لأن الاتفاقات التي تُطبخ فوق رؤوس الناس… تتحول لاحقًا إلى بذور غضب مزمن.

الدولة الآن أمام امتحان بالغ الخطورة: كيف تشجع الانشقاقات دون أن تطعن الضحايا؟ كيف تفتح باب العودة دون أن تغلق باب العدالة؟ كيف تستخدم التفكك الداخلي للمليشيا عسكريًا… دون أن تتحول البلاد إلى مستودع مرارات مؤجلة؟

هذه ليست أسئلة نظرية. هذه أسئلة مصير دولة كاملة بعد الحرب.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بلا خوف: الناس لا يغضبون لأن الدولة تحاول تفكيك المليشيا… الناس يغضبون لأنهم يخافون من تبييض الجرائم تحت لافتة “المصلحة”.

وهذا خوف مشروع.

فالذي فقد ابنه لن يهدأ بخطاب سياسي. والتي انتهكت لن تشفى ببيان عسكري. والذي نُهب بيته لن يقنعه الحديث عن “الاختراقات الأمنية” إذا رأى الجاني يتبختر أمامه.

العدالة ليست ترفًا بعد الحرب. العدالة جزء من الأمن القومي نفسه.

لأن أي سلام بلا عدالة… هو مجرد هدنة قصيرة بين حربين.

والدولة الذكية ليست التي تكسب المعركة فقط… بل التي تمنع ولادة حرب جديدة داخل قلوب الناس.

*لؤي اسماعيل مجذوب*

 

زر الذهاب إلى الأعلى