حين تصنع الدولة خصمها بيديها:كيف أعادت المليشيات والاستخبارات تشكيل السودان؟

*حين تصنع الدولة خصمها بيديها:كيف أعادت المليشيات والاستخبارات تشكيل السودان؟*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
☆هل كان السودان يُدار فعلًا عبر مؤسسات الدولة الوطنية… أم عبر توازنات السلاح والتحالفات الأمنية والولاءات المتحركة؟
☆وهل كانت المليشيات مجرد أدوات مرحلية لحماية الدولة… أم مشروعًا كاملاً جرى بناؤه داخل عقل الدولة نفسها حتى تمدد وتحول إلى مركز قوة ينازعها السيادة والقرار؟
☆ومن الذي صنع هذا الوحش الذي يحرق السودان اليوم؟
☆هل هو التمرد وحده؟
أم أن الدولة — عبر بعض أجهزتها الأمنية والاستخباراتية — شاركت بنفسها في صناعة الأزمة حين اعتقدت أن بإمكانها استخدام القوة القبلية والمليشياوية كأداة لإدارة التوازنات الداخلية؟
☆ثم كيف تحولت قوى أُنشئت تحت شعارات الحماية ومكافحة التمرد إلى جيوش موازية تملك:
المال،
والسلاح،
والاقتصاد،
والعلاقات الخارجية،
والقدرة على فرض إرادتها السياسية بالقوة؟
هذه ليست أسئلة إعلامية عابرة، بل أسئلة وجودية تتعلق بمستقبل السودان نفسه.
إن ما يحدث اليوم في السودان ليس مجرد حرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل انفجار تاريخي متأخر لبنية سياسية وأمنية ظلت تتراكم داخل الدولة السودانية لعقود طويلة.
لقد اختارت الدولة السودانية — في مراحل عديدة — إدارة أزماتها عبر:
التحالفات القبلية،
والمليشيات المحلية،
والتوازنات الأمنية،
وصناعة مراكز قوة خارج المؤسسة العسكرية التقليدية.
وكان الاعتقاد السائد داخل بعض دوائر القرار أن هذه الأدوات يمكن التحكم فيها واستخدامها تكتيكيًا لتحقيق أهداف مرحلية:
محاربة التمرد،
ضبط الأطراف،
موازنة القوى داخل المؤسسة العسكرية،
أو حماية النظام السياسي.
لكن التجربة السودانية أثبتت أخطر حقيقة في تاريخ الدول الهشة: المليشيا لا تبقى أداة إلى الأبد.
فالقوة التي تُمنح:
السلاح،
والمال،
والشرعية،
والحماية السياسية،
والغطاء الاستخباراتي،
ستتحول مع الزمن إلى مركز نفوذ مستقل يمتلك مشروعه الخاص، وطموحه الخاص، ورؤيته الخاصة للدولة والسلطة.
وهنا بدأت الدولة السودانية تفقد تدريجيًا احتكارها للقوة، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة في العالم.
ولعل حديث الشيخ موسى هلال الأخير — مهما اختلف الناس حوله — كشف جانبًا بالغ الخطورة من هذه الحقيقة.
فالحديث لم يكن مجرد تصفية حسابات سياسية أو قبلية، بل بدا أقرب إلى شهادة من داخل “غرفة صناعة الأزمة” نفسها.
حين تحدث هلال عن:
دور الاستخبارات،
وتشكيل حرس الحدود،
وصناعة التوازنات داخل دارفور،
ثم تضخيم بعض الشخصيات وتحويلها إلى مراكز قوة مستقلة،
فإنه كان يضع إصبعه على جوهر المأساة السودانية: الدولة التي استخدمت المليشيا لإدارة أزماتها… انتهت إلى حرب تهدد وجودها نفسه.
والأخطر من ذلك أن السودان اليوم لا يواجه فقط تمردًا مسلحًا، بل يواجه نتائج تراكمات طويلة من:
تسييس المؤسسة الأمنية،
وضعف المشروع الوطني الجامع،
واستخدام القبيلة كأداة سياسية،
وتحويل السلاح إلى وسيلة تفاوض على السلطة.
لقد دخل السودان الآن مرحلة إعادة تشكيل كاملة:
للدولة،
وللجيش،
وللتحالفات،
وللوعي الجمعي،
وللعلاقة بين المركز والهامش.
فالحرب الحالية لم تغيّر خطوط السيطرة العسكرية فقط، بل غيّرت:
شكل المجتمع،
وطبيعة التحالفات،
وصورة الدولة في وعي الناس،
وحتى مفهوم الوطنية نفسه.
قوى كانت متصارعة أصبحت متحالفة.
وقوى كانت متحالفة دخلت في صراع وجودي.
وقبائل انقسمت داخليًا.
وحركات مسلحة أعادت تعريف دورها السياسي والعسكري.
ومدن كاملة تغيّرت ديمغرافيًا ونفسيًا تحت ضغط النزوح والعنف والانهيار.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لاحقًا هو “تطبيع وجود المليشيات” داخل الدولة السودانية، بحيث يصبح تعدد الجيوش أمرًا عاديًا ومقبولًا سياسيًا وأمنيًا.
وهنا تتحول الدولة من مؤسسة سيادية إلى مجرد ساحة توازن بين قوى مسلحة متنافسة.
كما أن استمرار العقل الأمني القديم في إدارة السودان عبر:
صناعة الولاءات،
وإعادة تدوير المليشيات،
واستخدام القوى غير النظامية كأدوات نفوذ،
لن ينتج استقرارًا، بل سيعيد إنتاج الحرب بأشكال جديدة حتى لو توقفت المعارك الحالية.
فالدول لا تنهار فقط بسبب الحروب، بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين: الدولة… والشبكات المسلحة،
المؤسسة… والشخص،
الوطن… ومراكز المصالح.
إن السودان يقف اليوم أمام مفترق تاريخي بالغ الخطورة: إما إعادة بناء دولة وطنية حديثة تحتكر القوة وتؤسس لمشروع جامع يتجاوز القبيلة والمليشيا والجهوية…
وإما الدخول في دورة طويلة من التفكك وإعادة إنتاج العنف، حيث تصبح الجغرافيا المسلحة أقوى من فكرة الوطن نفسه.
وفي ضوء ما كشفته الحرب، وما تضمنته شهادة موسى هلال، فإن المعركة الحقيقية لم تعد فقط معركة ميدان، بل معركة:
إعادة تعريف الدولة،
واستعادة الشرعية،
وبناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة،
وإنهاء عصر الجيوش الموازية.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن هو أن تتحول أدواته المؤقتة إلى مصيره الدائم.
ويبقى السؤال الذي سيلاحق السودان لسنوات طويلة:
☆هل تستطيع الدولة السودانية الخروج من دائرة “صناعة المليشيا ثم محاربتها”؟
☆وهل ما يجري الآن هو نهاية مرحلة تاريخية… أم بداية سودان جديد أكثر تعقيدًا واضطرابًا؟
☆وهل ستنتصر فكرة الدولة الوطنية الجامعة؟
☆أم تنتصر الهويات المسلحة ومراكز النفوذ العابرة للمؤسسات؟
☆ثم من الذي سيكتب الرواية النهائية لهذه الحرب؟
☆الدولة؟
☆المليشيات؟
☆القوى السياسية؟
☆الضحايا والنازحون؟
☆أم الأجيال القادمة التي ستبحث وسط الرماد عن الحقيقة الكاملة لما جرى في السودان؟
وفي النهاية…
فإن أخطر ما كشفته الحرب السودانية ليس فقط حجم الخراب والدمار، بل هشاشة المعادلة التي أُدير بها السودان لعقود طويلة؛ معادلة تقوم على تأجيل الأزمات بدل حلّها، وعلى إدارة التوازنات بالسلاح بدل بناء المؤسسات، وعلى صناعة القوى الموازية بدل ترسيخ الدولة الوطنية الحديثة.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن المليشيات قد تبدأ كأدوات مؤقتة، لكنها لا تنتهي دائمًا تحت سيطرة من صنعها.
فحين تُفتح أبواب القوة خارج المؤسسة الوطنية، يصبح من الصعب إعادة إغلاقها دون ثمن باهظ تدفعه الدولة والمجتمع معًا.
وما بين شهادة الشيخ موسى هلال، وتحولات الميدان، وتبدل التحالفات، وتفكك المشهد السياسي، يقف السودان اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة؛ لحظة لا تحدد فقط من يحكم، بل تحدد ما إذا كانت الدولة السودانية نفسها قادرة على البقاء كدولة موحدة ذات سيادة ومؤسسات.
إن معركة السودان الحقيقية لم تعد مجرد معركة بنادق ومدافع، بل أصبحت معركة:
وعي،
وذاكرة،
وهوية،
ومستقبل دولة.
ولهذا فإن أي مشروع لإنقاذ السودان لن ينجح ما لم يُغلق نهائيًا باب الاستثمار في المليشيات، ويُعاد بناء مفهوم الدولة على أساس:
جيش وطني واحد،
ومؤسسات فوق الولاءات،
وعدالة تمنع إنتاج الحروب من جديد،
ومشروع وطني يتسع لكل السودانيين دون إقصاء أو استغلال أو تمييز.
أما إذا استمرت ذات العقلية القديمة في إدارة البلاد بالأدوات نفسها، فإن السودان قد لا يخرج من هذه الحرب إلى السلام، بل إلى نسخة أكثر تعقيدًا من الفوضى والانقسام.
وعندها…
لن يكون السؤال من انتصر في الحرب؟
بل:
كم تبقى من السودان بعد انتهاء الحرب؟
“قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ”
*المهندس / خالد مصطفى الصديق الفزازي*
-خبير الاستراتيجية واقتصاد المعرفة




