اعمدة مهرة

سنن لا تُهزم: كيف يُعاد توازن العالم؟

*سنن لا تُهزم: كيف يُعاد توازن العالم؟*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

في لحظات التاريخ التي يبدو فيها المشهد الإنساني مثقلاً بالاضطراب، تتكرر ذات المعادلة بأشكال مختلفة: قوةٌ تتضخم حتى تظن أنها فوق المساءلة، وواقعٌ عالمي يتأرجح بين الفوضى وإعادة التشكل. ومع كل دورة من هذا النوع، يظن الناس أن المشهد قد استقر نهائيًا، بينما هو في الحقيقة يتحرك نحو نقطة تحول خفية.

في هذا السياق، تبرز قصة أصحاب الفيل بوصفها نموذجًا رمزيًا عميق الدلالة، لا يُقرأ كحدث تاريخي فقط، بل كإشارة إلى أن موازين القوة في هذا العالم ليست مطلقة، وأن ما يبدو ثابتًا قد يحمل داخله عوامل انهيار غير مرئية.

القوة في صورتها الظاهرة قد تبهر وتفرض حضورها، لكنها حين تنفصل عن حدودها الأخلاقية والسننية، تبدأ في إنتاج عوامل تآكلها من داخلها. فالتضخم في الثقة بالقوة غالبًا ما يقود إلى إغفال نقطة حاسمة: أن الكون لا يتحرك وفق إرادة طرف واحد، مهما بلغ من نفوذ.

وفي النص القرآني، يأتي ذكر هذا الحدث في القرآن الكريم ضمن سورة الفيل، حيث تتجلى الفكرة المركزية: أن الكيد حين يبلغ ذروته لا يضمن نتيجته، وأن النظام الكوني أوسع من أدوات الهيمنة الظاهرة.

“ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل…”

في مقابل مشهد القوة المتضخمة، يأتي رمز طير الأبابيل ليحمل دلالة مختلفة: أن التحولات الكبرى لا تُقاس دائمًا بحجم الوسائل، بل بفاعلية السنن التي تحكم حركة التاريخ. فليست المسألة في ضخامة الحدث الظاهر، بل في اللحظة التي يُعاد فيها ضبط التوازن.

في الواقع الإنساني المعاصر، تتكرر صور متعددة لهذا النمط: فوضى سياسية، اختلالات اجتماعية، وصراعات تتجاوز حدود الجغرافيا. ومع ذلك، يبقى التاريخ غير قابل للاختزال في لحظته الراهنة؛ إذ كثيرًا ما تتحول أقوى موجات السيطرة إلى بدايات انحسارها، دون إعلان مسبق.

اللافت في سنن التوازن أنها لا تعمل بمنطق الاستعراض، بل بمنطق التدرج. فالتغير الحقيقي غالبًا ما يبدأ صامتًا، بعيدًا عن ضجيج المشهد، حتى يصل إلى نقطة يظهر فيها التحول وكأنه مفاجئ، بينما هو في الحقيقة نتيجة مسار طويل من التراكمات.

ومن هنا، يصبح الفهم أعمق من مجرد قراءة الأحداث؛ إذ لا يتعلق الأمر بما يحدث فقط، بل بكيفية تشكل النتائج عبر الزمن. فالفوضى ليست نهاية المسار، بل إحدى مراحله، تمامًا كما أن استقرار القوة ليس ضمانًا لبقائها.

في النهاية، يظل المعنى الأهم أن العالم لا يُدار بمنطق القوة وحده، بل بمنظومة أوسع من السنن التي تُعيد التوازن حين يختل. وما يبدو للإنسان فوضى مطلقة قد يكون في عمقه بداية إعادة تشكيل لا يدركها إلا من يقرأ التاريخ خارج لحظته.

ليست القضية في انتصار قوةٍ بعينها، بل في استحالة بقاء أي قوة خارج حدودها.

وما دام للتاريخ سنن لا تُهزم، فإن الفوضى ليست خاتمة المشهد، بل جزء من طريق توازنه المستمر…..

 

*…..ابو يامن….*

 

زر الذهاب إلى الأعلى