حين تقف ام درمان لتحرس ذاكرتها الاخيرة
*حين تقف ام درمان لتحرس ذاكرتها الاخيرة*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
حين تُصاب الأوطان بالحروب لا تُقاس الخسائر بعدد المباني التي تهدمت، ولا بعدد النوافذ التي تحطمت، بل تُقاس بما إذا كانت الدولة ما تزال قادرة على حماية ذاكرتها الرمزية ومراكز معناها الروحي والحضاري. ولهذا فإن ما يجري اليوم حول مسجد النيلين ليس قضية صيانة مبنى، ولا حملة تبرعات عابرة، وإنما اختبار حقيقي لقدرة السودانيين على استعادة حس الدولة قبل استعادة الجدران.
فالأمم لا تُهزم فقط عندما تخسر المعارك، وإنما عندما تتعامل مع رموزها الكبرى بوصفها تفاصيل مؤجلة. ومسجد النيلين لم يكن يوماً مجرد مسجد يؤدي فيه الناس الصلاة ثم ينصرفون، بل كان منذ لحظة ميلاده مشروع رؤية كاملة أرادت أن تقول إن السودان قادر على إنتاج رمزه المعماري الخاص، وأن العمارة يمكن أن تتحول إلى خطاب سيادي وثقافي وروحي في آن واحد.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل اليوم أن هذا الصرح لم يولد من مؤسسة رسمية مترهلة ولا من شركة أجنبية، بل خرج من عقل طالب سوداني شاب حمل مشروع تخرجه ذات يوم ليصبح لاحقاً واحداً من أكثر المعالم حضوراً في وجدان العاصمة. وهنا تكمن الدلالة الأخطر؛ أن السودان الذي أنجب تلك الفكرة كان بلداً يؤمن بأن المستقبل يُصنع بالخيال الكبير، لا بإدارة الأزمات اليومية فقط.
لهذا يبدو مؤلماً أن يصبح المسجد اليوم مهدداً لا بسبب سقوط قذيفة وحدها، بل بسبب البطء والتردد والعجز عن تحويل التعاطف الشعبي إلى فعل منظم. فالخطر الحقيقي ليس في الزجاج المحطم ولا في أنظمة الصوت والتكييف، وإنما في ذلك السقف الخشبي الأندلسي النادر الذي يحرس ذاكرة المسجد منذ عقود، والذي جاءت نقوشه من المغرب هدية ملكية تحمل معنى يتجاوز الخشب والزخرفة إلى فكرة الامتداد الحضاري بين السودان وعمقه الإسلامي والثقافي.
وحين يتحدث المهندس قمر الدولة بقلق عن الأمطار القادمة، فهو لا يتحدث بعاطفة مصمم يرتبط بمشروع عمره فقط، بل بعقل مهندس يعرف أن الزمن في مثل هذه الحالات أخطر من الحرب نفسها. فالحرب قد تُحدث الضرر، لكن الإهمال هو الذي يصنع الانهيار الكامل. ولهذا فإن معركة مسجد النيلين الآن ليست معركة أموال بقدر ما هي معركة وقت وإدارة قرار.
ومن هنا فإن أي معالجة جادة يجب ألا تُدار بعقلية المناشدات المفتوحة وحدها، لأن المشروعات الكبرى لا تُنقذ بالشفقة وإنما بالإدارة الاحترافية. المطلوب الآن ليس سباق بيانات، بل تكوين مركز قرار صغير وفعّال يمتلك الشرعية الفنية والمجتمعية معاً، ويستطيع أن يحول هذا الزخم الشعبي إلى مشروع وطني متكامل له خطة واضحة ومراحل محددة وملف هندسي وإعلامي ومالي شفاف.
فالناس مستعدة للدعم، والدولة نفسها لن تمانع حين ترى مشروعاً محترفاً لا مجرد حالة انفعال عاطفي. والشركات الوطنية كذلك تحتاج إلى جسم منظم تخاطبه بلغة الأرقام والتنفيذ لا بلغة الأمنيات. وحتى الجهات السيادية عندما تتدخل فإنها تحتاج إلى رؤية واضحة تعرف أين تبدأ وكيف تُدار الأولويات.
وأولوية الأولويات الآن ليست إعادة الافتتاح الاحتفالي للمسجد، بل حماية ما يمكن أن يتلف مع أول أمطار. وهذا يتطلب تحركاً سريعاً لفك الأخشاب والزخارف وتأمينها، ومعالجة نقاط التسرب، وإيقاف أي تدهور إضافي قبل الدخول في مراحل الترميم اللاحقة. لأن خسارة الزخارف الأندلسية مثلاً لن تكون خسارة هندسية فحسب، بل خسارة لجزء من الذاكرة المعمارية النادرة في السودان كله.
ثم إن القضية في جوهرها أكبر من مسجد منفرد. فبانت نفسها، وأمدرمان كلها، تقفان اليوم أمام سؤال ما بعد الحرب: كيف تعود الحياة؟ وكيف تُستعاد الثقة؟ وكيف يشعر المواطن أن الدولة والمجتمع ما زالا قادرين على ترميم المعنى قبل ترميم الحجر؟ ولذلك فإن الحديث الذي بدأ حول المسجد سرعان ما تمدد إلى المدارس والمركز الصحي والكهرباء والمياه والأسواق، لأن الناس تدرك intuitively أن إعادة الإعمار ليست مشروع مبانٍ بل مشروع استعادة روح مدينة كاملة.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية أن تُدار القضية بخطاب وطني جامع لا بخطاب حيّ محدود. فمسجد النيلين ليس ملكاً لبانت وحدها، تماماً كما أن النيل نفسه ليس ملكاً لضفة دون أخرى. هذا المسجد ظل لعقود جزءاً من صورة السودان أمام زواره، وجزءاً من ذاكرة أجيال كاملة عبرت إليه في الأفراح والأعياد والجنازات والصلوات واللقاءات، ولهذا فإن إنقاذه يجب أن يُقدَّم بوصفه حماية لذاكرة وطن لا حماية مبنى محلي فقط.
وربما تكون أكثر الإشارات إلهاماً في كل ما جرى أن الناس تحركت بالفطرة نحو الفعل قبل أن تتحرك المؤسسات؛ شباب يفكرون في حملات نظافة، ومغتربون يسألون عن المساهمة، ومهندسون يعرضون خبراتهم، وأبناء حي يتحدثون عن اللجان والرؤى والخطط. وهذه الروح في حد ذاتها مؤشر مهم على أن السودان ما يزال حياً تحت الركام، وأن المجتمع حين يشعر بأن هناك هدفاً نبيلاً وواضحاً فإنه يستطيع أن ينتج طاقة هائلة تتجاوز الانقسامات والإنهاك.
لكن هذه الطاقة نفسها تحتاج الآن إلى عقل يديرها قبل أن تتبدد في الضجيج. فالقضية دخلت مرحلة لا تحتمل الارتجال، والخريف لا ينتظر أحداً، والزمن حين يتعلق بالتراث لا يُقاس بالأيام بل بالخسائر المحتملة مع كل مطرة جديدة.
ولهذا فإن إنقاذ مسجد النيلين يجب أن يتحول فوراً من مبادرة وجدانية محترمة إلى مشروع وطني عاجل، تُفتح له قنوات القرار، وتُحشد له المؤسسات، ويُدار بعقل هندسي واستراتيجي يعرف أن حماية الرموز الكبرى ليست عملاً جمالياً زائداً عن الحاجة، بل جزء أصيل من حماية تماسك الدولة نفسها.
فالأوطان التي تفقد ذاكرتها الرمزية تفقد بالتدريج قدرتها على الوقوف، حتى وإن بقيت جدرانها قائمة.
*لؤي اسماعيل مجذوب*




