اعمدة مهرة

السودان.. أطماع تقودها الوساطات

*السودان.. أطماع تقودها الوساطات*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

١. إن ما جرى ويجري في السودان لا يمكن فصله عن مشروع سياسي أوسع تشكلت ملامحه بعد سقوط الإنقاذ، وقامت فكرته على صناعة واجهة سياسية محددة، وإسنادها بأدوات ضغط سياسية وعسكرية وإعلامية، ثم العمل على فرضها على الشعب السوداني.

٢. بدأت ملامح هذا المشروع بالاتفاق الإطاري في مرحلته الأولى باعتباره المدخل الأساسي لإعادة تشكيل السلطة السياسية في السودان. غير أن الإطاري واجه رفضاً واسعاً، الأمر الذي أضعف فرص تمريره بالصيغة التي طُرح بها.

٣. التعثر الذي واجهه ذلك المسار أحدث ارتباكاً لدى القوى الداعمة له، وأثار مخاوف من انهيار الخطة بأكملها.

٤. في أعقاب ذلك برز التمرد بوصفه التطور الذي أتاح إعادة تشكيل الواقع السياسي والعسكري بصورة تسمح بتجاوز العقبات التي واجهت المشروع في مرحلته الأولى.

٥. عند هذه المرحلة انتقلت الخطة إلى مستوى آخر مع اندلاع الحرب، فظهرت محاولات لتحييد وتفكيك الصف الداعم للجيش عبر لقاءات عُقدت في عدد من العواصم، بالتزامن مع نشاط لمنظمة بروميديشن وحراك للرباعية بنسخها المختلفة، إلى جانب لقاءات للقوى المناوئة للحكومة.

٦. لكن تعثر الرهان على الحسم العسكري السريع، وفشل الرباعية واللقاءات المشار إليها آنفاً، دفع رعاة المشروع إلى العودة للمنظمات الدولية والإقليمية مجدداً، ولكن هذه المرة عبر مظلة موحدة تضم الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والإيقاد والأمم المتحدة.

٧. من الواضح أن الهدف من هذا التوحيد كان الحد من فرص ظهور مواقف مستقلة من بعض الدول أو المنظمات تجاه الأزمة. فكلما تقلصت مساحة التباين بين هذه الأطراف، تقلصت معها فرص حصول الحكومة السودانية على مواقف داعمة من بعض القوى الإقليمية أو الدولية خارج الاتجاه العام الذي يجري الدفع به، بما يفضي عملياً إلى تضييق هامش الحركة السياسية والدبلوماسية أمامها

٨. المسار الجديد الذي حمل اسم الخماسية كأنما هو محاولة للانتقال من مرحلة تعدد المبادرات إلى مرحلة توحيد مراكز التأثير نفسها. فالمقصود لم يكن إطلاق مبادرة جديدة بقدر ما كان إنشاء إطار يجمع المؤسسات والمنظمات الأكثر ارتباطاً بالملف السوداني

٩. والخماسية بهذا الشكل تعتبر امتداداً للفكرة ذاتها القائمة على إنتاج مظلة سياسية ذات لافتة سودانية، ثم توفير الغطاء الدولي والإقليمي اللازم لها. ويمكن قراءة ما جرى في مؤتمري برلين ونيروبي ضمن هذا السياق بوصفهما محطات متصلة أكثر من كونهما مسارات منفصلة.

١٠. لم تتحرك المبادرات الخاصة بالسودان في خطوط منفصلة، بل جاءت في أغلب الأحيان كحلقات متتابعة، حيث كان كل مسار جديد يظهر لمعالجة العقبات التي واجهت المسار السابق.

١١. وعلى ضوء ذلك يمكن فهم مسارات نيروبي وغيرها من المبادرات اللاحقة. فهي لم تكن قطيعة مع ما سبقها، ولا مشروعاً منفصلاً عنه، وإنما جاءت كأدوات سياسية تعمل داخل المناخ الذي أوجدته الخماسية.

١٢. فالمقصود لم يكن الوصول إلى اتفاق نهائي بقدر ما كان إنتاج مظلات سياسية جديدة وإعادة تجميع القوى والشخصيات التي يمكن البناء عليها في المراحل اللاحقة. وحتى المفردات التي بدأت تظهر في الخطابات المنسوبة إلى قائد المليشيا ونائبه أصبحت أكثر اتساقاً مع المخرجات الفكرية والسياسية التي تطرحها هذه المؤتمرات.

١٣. وعليه لا تبدو العلاقة بين الخماسية ونيروبي علاقة تعاقب بين مشروع فشل وآخر حل محله، وإنما علاقة تكامل بين إطار دولي وإقليمي يعمل على توحيد اتجاه الحركة، وأدوات سياسية تتحرك على الأرض لإنتاج الواقع الذي يخدم أهدافه.

١٤. ولا تتوقف خطورة الخماسية عند كونها إطاراً لتنسيق جهود هذه المؤسسات، وإنما تمتد إلى الوظيفة السياسية التي أصبحت تؤديها. فالكثير من التصورات والمبادرات التي تحركت في ظل هذا الإطار تعاملت مع الحكومة السودانية باعتبارها طرفاً يمكن تجاوزه أو الالتفاف حوله، أكثر من كونها السلطة التي يفترض أن تكون المدخل الطبيعي لأي عملية سياسية تخص الدولة السودانية.

١٥. في المقابل ظل الخطاب الرسمي الدولي يتحدث عن رفض الحكومة الموازية والحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته، بينما اتجهت الممارسة العملية في كثير من الأحيان نحو صناعة أطر سياسية بديلة وواجهات جديدة يمكن البناء عليها مستقبلاً.

١٦. أما الجانب الأكثر إثارة للتساؤل فهو أن كثيراً من هذه الجهات عجزت، أو لم تُبدِ رغبة حقيقية، في إدانة الجهات التي أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إشعال الحرب وما صاحبها من تدمير للبنية التحتية ومؤسسات الدولة والانتهاكات الواسعة التي تعرض لها المواطنون.

١٧. وتزداد هذه الصورة تعقيداً إذا ما لوحظ أن الحراك الدولي والإقليمي ازداد في الوقت الذي بدأت فيه المليشيا تواجه تصدعات عسكرية وسياسية واجتماعية متزايدة. وهو ما دفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الجهود تستهدف بالفعل إنهاء الحرب، أم أنها تسعى إلى إدارة مرحلة ما بعدها بما يضمن الحفاظ على بعض الترتيبات السياسية التي تعثرت قبل اندلاعها.

١٨. لذلك يرى منتقدو هذه المسارات أن الضغوط الموجهة إلى الحكومة السودانية لا تنفصل عن مشروع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة. فالمؤسسة العسكرية تُعد في نظرهم العقبة الرئيسية أمام أي ترتيبات تُصاغ خارج الإرادة الوطنية، ليس فقط بوصفها القوة النظامية الأكبر، وإنما لأنها أصبحت لدى قطاعات واسعة من السودانيين عنواناً للدفاع عن الدولة ووحدتها في مواجهة الضغوط الخارجية.

١٩. وفي جانب آخر يُفهم الإصرار على إقصاء بعض القوى السياسية، وعلى رأسها الإسلاميون، من أي ترتيبات مستقبلية. فالقضية هنا لا تتعلق بمجرد خلاف سياسي، وإنما بمحاولة إعادة هندسة المشهد السياسي بما يقلص حضور القوى القادرة على التأثير في معادلات ما بعد الحرب أو الاعتراض على المسارات المطروحة.

٢٠. وبذلك لا يقتصر الصراع الدائر في السودان على المواجهة العسكرية وحدها، بل يمتد إلى معركة أخرى تتعلق بمن يملك حق تمثيل السودان وصياغة مستقبله السياسي. ولهذا تتغير أسماء المبادرات والوساطات من حين إلى آخر، بينما تبقى الأهداف العامة والمسارات الحاكمة لها متقاربة إلى حد كبير.

٢١. ومن هنا فإن فهم الوساطات المتعددة التي تتحرك اليوم حول السودان لا يكون بالنظر إلى كل مبادرة بمعزل عن الأخرى، وإنما بقراءتها ضمن سياق واحد يربط بين مختلف المسارات ويبحث في الأهداف التي تجمعها أكثر مما ينشغل بالعناوين التي تميز بينها. فإذا كانت الوساطة في أصلها وسيلة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، فإن التجربة السودانية دفعت كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت بعض هذه الوساطات قد تحولت من أدوات لحل الصراع إلى أدوات لإدارة مخرجاته السياسية وتوجيهها.

٢٢. خلاصة الأمر أن التحدي الذي يواجه السودان لا يقتصر على كسب المعركة العسكرية، وإنما يمتد إلى كيفية إدارة المعركة السياسية والدبلوماسية التي تدور حوله. فكلما تعددت الوساطات والمبادرات، ازدادت الحاجة إلى رؤية وطنية قادرة على التمييز بين ما يخدم مصالح السودان وما يخدم مصالح الآخرين. . .

٢٣. فالأطماع لا تتحرك دائماً عبر الجيوش، بل كثيراً ما تأتي عبر المبادرات والوساطات والشعارات التي تبدو في ظاهرها ساعية إلى الحل، بينما تسعى في جوهرها إلى التأثير في شكل الدولة ومستقبلها السياسي.

تحياتي

*الفاتح الشيخ*

الثاني من يونيو/٢٠٢٦

 

زر الذهاب إلى الأعلى