*لما تحكي ذكرياتنا …. كنت تحكيها بأمانة!
*لما تحكي ذكرياتنا …. كنت تحكيها بأمانة!*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
في تاريخ الأغنية السودانية أعمال كثيرة عبرت ثم مضت، وأغانٍ أخرى بقيت لأنها لامست شيئاً عميقاً في وجدان الناس، ومن بين تلك الأعمال الخالدة تبرز أغنية (ماضي الذكريات) للشاعر الجيلي محمد صالح، والملحن موسى محمد إبراهيم، والتي منحها الفنان عثمان مصطفى من صوته وإحساسه ما جعلها واحدة من أجمل علامات الغناء السوداني
هذه الأغنية ليست مجرد قصة حب انتهت بالفراق، بل هي رحلة إنسانية كاملة داخل ذاكرة العاطفة، إنها حديث القلب عندما يعجز عن النسيان، وحديث الذكريات عندما تتحول إلى عبء جميل لا يستطيع صاحبه التخلص منه
منذ المطلع يضعنا الشاعر أمام مفارقة إنسانية موجعة:
(رحت في حالك نسيتني واعتبرت الماضي فات لما إنت خلاص جفيتني ليه بتحكي الذكريات)؟
هنا لا يبدأ الشاعر بالبكاء على الأطلال كما اعتادت كثير من الأغنيات، بل يبدأ بالسؤال، السؤال في الشعر أحياناً أقسى من العتاب، إنه سؤال يحمل استنكاراً وحيرة وجرحاً مفتوحاً، فإذا كان الحبيب قد اختار الرحيل، فلماذا يعود إلى استدعاء الذكريات؟
لقد نجح الجيلي محمد صالح في بناء النص على ثنائية الحضور والغياب، فالحبيب غائب جسداً، لكنه حاضر في الذاكرة، والذكريات انتهت واقعاً لكنها لا تزال حية في القلب
وهذه المفارقة هي التي صنعت الجمال الدرامي للنص ، يتجلى ذكاء الشاعر في قوله:
(كيف بدت كيف انتهت واتبددت قبال أوانا)؟
إنها جملة بسيطة في ظاهرها، لكنها تختزل مأساة كاملة، فالأحلام لم تمت بعد أن شاخت، بل ماتت قبل أوانها، وكأن الشاعر يرثي مستقبلاً لم يولد أصلاً ، ثم ينتقل النص إلى واحدة من أجمل الصور الشعورية في الأغنية:
(كفاية أشوفك بي خيالي وأستعيد أحلى الليالي وأبكي أيامي الخوالي)
هنا تصبح الذاكرة مسرحاً كاملاً للأحداث، لم يعد الحبيب موجوداً في الواقع، لكنه لا يزال يعيش في الخيال، والخيال هنا يتحول إلى وطن بديل يسكنه العاشق هرباً من قسوة الحقيقة
أما من الناحية البلاغية، فإن الأغنية تعتمد على لغة قريبة من القلب، خالية من التعقيد، لكنها غنية بالإيحاءات ، فلا نجد صوراً متكلفة أو استعارات بعيدة، بل نجد صدقاً إنسانياً يجعل المستمع يشعر وكأن الكلمات كُتبت خصيصاً لتجربته الشخصية، وهذه إحدى علامات الشعر الغنائي العظيم؛ أن يتحول الخاص إلى عام، وأن تصبح قصة فرد واحد قصة آلاف الناس
يأتي لحن موسى محمد إبراهيم ليكمل ما بدأته الكلمات، فاللحن لا ينافس النص ولا يستعرض عضلاته الموسيقية، بل يمشي بمحاذاة المعنى تماماً، تبدأ الجمل اللحنية هادئة ومترددة، وكأنها تستكشف مساحة الحزن قبل أن تغوص فيها، ثم تتصاعد تدريجياً مع لحظات الشجن والعتاب ، ومن أجمل ما في اللحن أنه حافظ على روح النص التأملية، فلا توجد قفزات حادة أو انتقالات مفاجئة تشتت الإحساس، وإنما انسياب موسيقي يشبه تدفق الذكريات نفسها، تأتي بهدوء ثم تستولي على القلب كله
لقد فهم موسى محمد إبراهيم النص بعمق، فصنع لحناً يترك للكلمات مساحة التنفس، ويمنح المستمع فرصة للتأمل في كل عبارة. ولهذا يشعر المرء أحياناً أن اللحن لا يصاحب الكلمات فقط، بل يفسرها ويكشف ما بين سطورها ، لكن العمل لم يكن ليبلغ هذه المنزلة لولا صوت عثمان مصطفى … عثمان مصطفى لم يغنِّ الأغنية، بل عاشها، وصوته بطبيعته يمتلك تلك المساحة النادرة بين القوة والحنان ، فعندما يؤدي عبارة مثل:
(ليه بتحكي الذكريات)
لا تبدو كجملة غنائية عابرة، بل كأنها سؤال حقيقي خرج من قلب أنهكه الانتظار ، يمتلك عثمان مصطفى قدرة فريدة على تلوين الكلمة الواحدة بأكثر من إحساس، فتارة تسمع العتاب، وتارة تسمع الحنين، وتارة أخرى تشعر بالاستسلام للحزن ، هذه القدرة هي التي جعلت الأغنية تنفذ إلى وجدان المستمعين بهذا العمق
كما أن أداءه اتسم بالاقتصاد العاطفي الجميل، فلم يلجأ إلى المبالغة أو الصراخ، وإنما اعتمد على الصدق، والصدق في الغناء أقوى من كل أدوات الاستعراض
إني من منصتي استمع ….ثم اقول : إن(ماضي الذكريات) ليست مجرد أغنية ناجحة، بل أصبحت ذاكرة ، فكم من عاشق وجد نفسه في كلماتها، وكم من مغترب استعاد عبرها وجوهاً وأياماً مضت، وكم من قلب مكسور وجد فيها عزاءً صامتاً.
*ياسر الفادني*



