بعد دا كلو كمان بتبكي؟
*بعد دا كلو كمان بتبكي؟*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
أغنية (بعد دا كلو كمان بتبكي)؟ للفنان عبد الوهاب الصادق
، مثلث إبداعي نادر اجتمع فيه الشاعر عبد الله شرفي، والملحن عوض جبريل، والفنان عبد الوهاب الصادق، فخرج عمل يشبه البكاء المكتوم؛ ذلك البكاء الذي لا يُسمع صوته لكنه يهز القلب من الداخل
عبد الله شرفي كتب النص وكأنه يمشي فوق جراحه حافيًا، لم يكن شاعرًا يطارد الزخرفة اللغوية الفارغة، بل كان يعرف كيف يحوّل المفردة الشعبية البسيطة إلى طاقة شعورية هائلة ، منذ الجملة الأولى: بعد دا كلو كمان بتبكي يدخل المستمع مباشرة في قلب الدهشة العاطفية، دهشة إنسان أُنهك من الألم ثم فوجئ بأن الطرف الآخر يطالب بحقه في البكاء أيضًا، هنا تتجلى عبقرية الشاعر، فهو لا يصرخ ولا يلعن ولا ينتقم، بل يعاتب بحزن راقٍ يشبه انكسار الكبار
لغة الأغنية جاءت محمولة على ما يمكن تسميته بـ(بلاغة الصدق)! لا توجد فيها تعقيدات متكلفة، لكن كل كلمة تبدو في مكانها الطبيعي كأنها وُلدت هناك لا يصنع صورة شعرية باردة، بل يرسم مشهدًا حيًا للحب وهو يحمل المحبوب فوق تعب الحياة ، أما الدوزنة في القافية فكانت واحدة من أسرار خلود النص، هناك موسيقى داخلية تتحرك بين الكلمات حتى قبل دخول اللحن: بتشكي …. ببكي…. خطاي…. شكي …القلوب … الدروب… الملام العتاب.. هذا التوازن الصوتي منح الأغنية انسيابًا ناعمًا، وجعل العبارات تتحرك مثل موجة حزن متصلة لا تنكسر، كذلك اعتمد الشاعر على التكرار الذكي، خاصة في عبارة: ما كفاية الشفتو منك فالتكرار هنا ليس تكرارًا لغويًا، بل يشبه رجفة الوجع حين يعيد الإنسان شكواه لأنه لا يصدق حجم الألم الذي مر به
ثم يأتي عوض جبريل، الملحن الذي فهم النص كما لو أنه كُتب داخل روحه، لم يتعامل مع الكلمات باعتبارها مساحة للاستعراض الموسيقي، بل جعل اللحن خادمًا للحالة الشعورية، اختار مسارًا لحنيًا حزينًا لكنه متماسك، فلا هو حزن منهار، ولا هو برود جاف، بل ذلك الحزن الذي يقف على حافة الدموع ويحاول أن يبدو قويًا
اللازمات الموسيقية جاءت قصيرة وعميقة، تدخل بين المقاطع مثل تنهيدة طويلة، الايقاع بدا وكأنه يتحدث بصوت منخفض احترامًا لوجع الكلمات، حتى الانتقالات اللحنية كانت محسوبة بعناية، فعندما يصل النص إلى: صبري فات حد الحدود
عبقرية عوض جبريل أنه لم يسمح للموسيقى أن تطغى على النص، بل جعلها تمشي بجواره كتوأم حزين، ولذلك بقي اللحن ملتصقًا بالوجدان السوداني حتى اليوم
ثم يأتي عبد الوهاب الصادق، ذلك الصوت الذي لم يكن يغني بقدر ما كان يسكب إحساسه داخل الكلمات، هناك مطربون يملكون أصواتًا قوية، لكن قلة منهم يملكون (صدق الصوت) وعبد الوهاب كان واحدًا من هؤلاء. أداؤه في هذه الأغنية تحديدًا بدا كأن الرجل يعيش تفاصيلها لحظة بلحظة ، نبرة صوته حملت ذلك الصدق هو ما جعل الأغنية تسكن وجدان السودانيين بهذا العمق، هي ليست أغنية حب فقط، بل مرآة كاملة للعلاقات الإنسانية حين تتحول المحبة إلى تعب، والصبر إلى نزيف داخلي طويل
إني من منصتي أنظر …. حيث أقول: لقد كتب عبد الله شرفي نصًا يتنفس وجعًا، وصاغ عوض جبريل لحنًا يمشي على أطراف الحزن، ثم جاء عبد الوهاب الصادق ليمنح القصيدة قلبه وصوته وروحه، فخرجت أغنية لا تُنسى… أغنية كلما مرت السنوات ازداد وجعها جمالًا، وازداد جمالها خلودًا.
*ياسر الفادني*




