اعمدة مهرة

بين الحرب والسياسة: السودان وسؤال الدولة الذي يتجاوز المعركة

*بين الحرب والسياسة: السودان وسؤال الدولة الذي يتجاوز المعركة*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

في لحظات الأزمات الكبرى لا تصبح خطابات القادة مجرد كلمات عابرة ترتبط بمناسبة دينية أو حدث سياسي، بل تتحول إلى نصوص تكشف طبيعة المرحلة وما يختبئ خلفها من تصورات عن الدولة والسلطة والمستقبل. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة خطاب رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بمناسبة عيد الأضحى باعتباره خطابًا يتجاوز إطار التهنئة، ليطرح بصورة مباشرة وغير مباشرة سؤالًا أكبر: ما الذي يجري في السودان فعلًا؟ هل هي حرب على الأرض فقط، أم أنها معركة على معنى الدولة نفسها؟

الحروب في جوهرها ليست مجرد مواجهات عسكرية. إنها لحظات تعيد فيها المجتمعات اكتشاف علاقتها بالدولة وبفكرة السلطة. ففي الظروف العادية تبدو الدولة أمرًا ثابتًا؛ مؤسسات تعمل، وقوانين تنظم الحياة، وحدود سياسية معترف بها. لكن حين تتعرض الدولة لهزة عنيفة، يظهر سؤال ظل مستترًا طويلًا: ما الذي يجعل الدولة دولة بالفعل؟ هل هو السلاح؟ أم المؤسسات؟ أم ذلك الشعور الجمعي بأن هناك وطنًا يستحق أن يُحمى؟

في الخطاب، برزت الإشارة المتكررة إلى صمود المواطنين والتفافهم حول الجيش بوصفه عاملًا حاسمًا في حماية البلاد. وهذه ليست مجرد رسالة سياسية عابرة، بل محاولة لإعادة إنتاج مفهوم الشرعية الوطنية في ظل الحرب. فالدولة في أوقات الصراع لا تبحث فقط عن السيطرة على الجغرافيا، بل تسعى أيضًا إلى ترسيخ سردية تمنحها الحق الأخلاقي والسياسي في تمثيل المجتمع.

لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن شرعية الحرب تختلف عن شرعية الدولة المستقرة. فالقوة العسكرية تستطيع أن تمنع الانهيار، لكنها وحدها لا تستطيع بناء عقد اجتماعي دائم. الدولة لا تستمر لأنها تملك أدوات القوة فقط، وإنما لأنها تنجح في إقناع مواطنيها بأنهم شركاء في مشروع سياسي جامع.

ومن هنا تبدو الإشارة إلى إطلاق حوار سياسي شامل ذات دلالة مهمة. ففي التجارب التاريخية المختلفة، لم يكن اللجوء إلى الحوار دائمًا تعبيرًا عن الضعف، كما يُفهم أحيانًا، بل كان اعترافًا بأن القوة العسكرية، مهما بلغت، تملك حدودًا لا تستطيع تجاوزها. فالانتصار في المعركة شيء، وإدارة المجتمع بعد المعركة شيء آخر تمامًا.

غير أن أي حديث عن حوار سياسي يثير أسئلة لا تقل أهمية عن الحوار نفسه: من يشارك؟ ومن يُستبعد؟ وما الأسس التي سيُبنى عليها هذا الحوار؟ لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع الأطراف المختلفة حول طاولة واحدة، بل في القدرة على إنتاج رؤية مشتركة تتجاوز منطق الغالب والمغلوب.

لقد دفعت الحرب السودان إلى مواجهة حقائق مؤلمة؛ انهيارات أمنية، أزمات إنسانية، وتشظيات اجتماعية عميقة. غير أن أخطر ما يمكن أن تخلفه الحروب ليس الدمار المادي وحده، بل تحول الانقسام إلى حالة ذهنية دائمة يصبح معها كل طرف مقتنعًا بأنه الممثل الوحيد للوطن.

في هذا السياق، يكتسب الحديث عن رفض الإملاءات الخارجية بعدًا إضافيًا. ففكرة السيادة ليست مجرد رفض للتدخل الخارجي، بل قدرة الدولة على إنتاج حلولها من داخلها. لكن هذه السيادة لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما ببناء مؤسسات قوية وقادرة على تمثيل المجتمع بأطيافه المختلفة.

يبقى السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فالحروب تنتهي عادة بتوقف إطلاق النار، لكن بناء الدولة يبدأ بعد ذلك. والسؤال الذي ستفرضه المرحلة المقبلة لن يكون من انتصر في الحرب، بل أي دولة ستخرج من رحمها؟ وهل سينجح السودانيون في بناء وطن تتسع فكرته للجميع، أم أن الصراع سيعيد إنتاج نفسه بأسماء وصور مختلفة؟

لأن التحدي الأكبر في النهاية ليس استعادة الأرض وحدها، بل استعادة المعنى؛ فالدول لا تنهار حين تخسر جزءًا من جغرافيتها فقط، وإنما حين يفقد مواطنوها إيمانهم بالمشروع الذي يجمعهم تحت اسم وطن واحد.

*د.الشاذلي عبد اللطيف*

 

زر الذهاب إلى الأعلى