اعمدة مهرة

حين تُسند الأمانات إلى أهلها

*حين تُسند الأمانات إلى أهلها*

      ➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

عندما أعلن السيد رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس أن حكومته ستولي اهتماماً خاصاً بملفات الفساد والتهريب والمخدرات، فقد لامس بذلك وجدان الشعب السوداني، لأن هذه القضايا تمثل تحديات حقيقية ظلت تستنزف الدولة وتعيق مسيرتها نحو الاستقرار والتنمية.

فالفساد يهدر الموارد ويضعف الثقة في المؤسسات، والتهريب يستنزف الاقتصاد الوطني ويحرم البلاد من خيراتها، بينما تشكل المخدرات خطراً مباشراً على الشباب والأسرة والمجتمع. ولذلك فإن التصدي لهذه الملفات ليس مجرد واجب حكومي، بل هو معركة وطنية من أجل حماية الدولة ومستقبل الأجيال.

وفي هذا السياق، جاء اختيار الفريق عابدين الطاهر لقيادة ملف مكافحة الفساد اختياراً موفقاً وجد التقدير والارتياح لدى قطاعات واسعة من المواطنين، لأنه عكس منهجاً يقوم على تقديم أهل الخبرة والكفاءة والتجربة في المواقع التي تتطلب الحسم والقدرة على الإنجاز.

إن قيمة هذا الاختيار لا تكمن في الشخص وحده، وإنما في الرسالة التي يحملها؛ رسالة مفادها أن المرحلة القادمة ينبغي أن تكون مرحلة الكفاءات الوطنية، وأن الأمانات العامة يجب أن تُسند إلى من يملكون القدرة والخبرة والمؤهلات التي تمكنهم من تحقيق النتائج المطلوبة.

ومن هنا، فإننا نأمل أن يمتد هذا النهج إلى ملفي التهريب والمخدرات، وهما ملفان لا يقلان أهمية وخطورة عن ملف الفساد. فهذه القضايا تحتاج إلى قيادات تمتلك المعرفة التخصصية والخبرة الميدانية والرؤية الاستراتيجية، وتستطيع إدارة معارك معقدة ضد شبكات منظمة عابرة للحدود ومتشعبة الوسائل.

ولعل من أبرز المؤسسات الوطنية التي تزخر بمثل هذه الكفاءات الشرطة السودانية، التي ظلت عبر تاريخها الطويل مدرسة وطنية راسخة في الانضباط والمهنية وحماية المجتمع. فقد أنجبت الشرطة السودانية قيادات متميزة راكمت خبرات واسعة في مكافحة الجريمة المنظمة والتهريب والمخدرات، واكتسبت معرفة عملية عميقة بطبيعة هذه الظواهر وأساليب مواجهتها.

لقد أثبت رجال الشرطة السودانية، في مختلف المراحل، أنهم أهل للمسؤولية الوطنية، وظلوا يؤدون واجبهم في ظروف بالغة التعقيد، محافظين على الأمن وسيادة القانون، ومدافعين عن استقرار المجتمع ومصالح الدولة. ومن الطبيعي أن يكون لهم دور محوري في قيادة المعارك الوطنية ضد التهريب والمخدرات، تماماً كما هو الحال في مواجهة الفساد.

إن المرحلة التي يمر بها السودان اليوم تتطلب حشد أفضل الطاقات الوطنية، والاستفادة من تراكم الخبرات والتجارب، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى. فالأوطان لا تُبنى إلا بالكفاءة، ولا تنتصر إلا عندما يتقدم أهل المعرفة والخبرة إلى مواقع المسؤولية.

إننا ننظر بتقدير إلى التوجه الذي أعلنه السيد رئيس الوزراء بشأن هذه الملفات المهمة، ونأمل أن يكتمل هذا المشروع الوطني بتشكيل لجان متخصصة وقوات مهنية مؤهلة، تتولى قيادة هذه المعارك تحت إشراف الدولة، مستندة إلى الخبرة والكفاءة والانضباط.

فالسودان اليوم بحاجة إلى دولة قوية وعادلة، قادرة على حماية مواردها وثرواتها وشبابها، وقادرة كذلك على ترسيخ سيادة القانون وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ولن يتحقق ذلك إلا عندما تُسند الأمانات إلى أهلها، وتُمنح المسؤوليات لمن يملكون القدرة على حملها.

حفظ الله السودان، ووفق القائمين على أمره إلى ما فيه خير البلاد والعباد.

*د.الشاذلي عبد اللطيف*

 

زر الذهاب إلى الأعلى