رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير/ أشرف خليل المحامي

مقالات

دولة النزاهة أم دولة الملاحقة ؟

*دولة النزاهة أم دولة الملاحقة ؟*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

أصدر رئيس الوزراء د. كامل إدريس، الثلاثاء، قرارًا بتعيين الفريق شرطة عابدين الطاهر رئيسًا لهيئة النزاهة والشفافية، في خطوة تُحسب ضمن ترتيبات إعادة تفعيل أجهزة الرقابة في الدولة. فالقرار، كما يبدو، يحمل دلالات سياسية مهمة، إذ جاء استجابةً لمطالب متزايدة بإعادة بناء الثقة في مؤسسات الحكم، واستعادة الانضباط في إدارة المال العام.

تعيين الطاهر بخلفيته الأمنية ،و بتميزه داخل جهاز الشرطة والمباحث الجنائية، يعكس ميلاً واضحاً نحو منطق الفاعلية الميدانية في التعامل مع ملف الفساد. فالرجل الذي تنامى وعيه المهني في بيئة التحقيق والجريمة المنظمة، يُستدعى اليوم إلى ساحة مختلفة يكتنفها التحدي والتعقيد، ساحة المال العام وشبكات النفوذ الإداري والاقتصادي. وهنا تبدأ المفارقة، إذ ينتقل الفعل من ملاحقة الجريمة الجنائية إلى مواجهة منظومات فساد متجذرة تتداخل فيها السياسة بالإدارة والاقتصاد، تشكلت داخل بنية الدولة.

في هذا السياق، يصبح السؤال حول طبيعة القيادة التي تم تكليفها، مدخلاً لفهم فلسفة الدولة في إدارة واحدة من أعقد معاركها الحالية ، هل يُنظر إلى الفساد بوصفه جريمة تستدعي أدوات الشرطي، أم بوصفه خللاً بنيوياً في نظام الحكم يتطلب أدوات القاضي ومنطق العدالة المؤسسية؟

إن المقارنة بين النموذجين تكشف اختلافاً كبيرا في تصور الدولة لوظيفتها. فالنموذج الشرطي يقوم على منطق الضبط والملاحقة والتحقيق، حيث تُرى قضايا الفساد كشبكات يجب تفكيكها عبر أدوات سريعة و رادعة.

أما النموذج القضائي فيقوم على منطق الإثبات والضمانات والفصل بين التحقيق والحكم بما يجعل العدالة مساراً إجرائيا لا مجرد نتيجة. وفي الحالة السودانية، حيث تمددت شبكات الفساد داخل مفاصل الدولة، لا يبدو أي من النموذجين كافياً بمفرده، ما يفرض الحاجة إلى تصور منهجي يوازن بين الصرامة والشرعية، وبين السرعة وضمانات العدالة.

غير أن هذا النقاش لا يكتمل دون استحضار الاستحقاق الدستوري الأهم، إذ نصت الوثيقة الدستورية المعدلة لعام 2025 على إنشاء مفوضية مكافحة الفساد ضمن حزمة مفوضيات أخرى. وهذا النص يعكس توجهاً لإعادة هندسة الدولة عبر مؤسسات عليا تتولى رسم السياسات العامة وضبط منظومة الحوكمة، بما يجعل مفوضية مكافحة الفساد “العقل الناظم” لمنظومة النزاهة والشفافية ، لا مجرد جهاز إضافي داخل الهيكل التنفيذي.

في المقابل تأتي الهيئة كذراع تنفيذية أقرب إلى ضبط الممارسة اليومية، ما يضع المؤسستين أمام معادلة دقيقة بين التكامل والتداخل. ومن هنا يبرز سؤال مهم : هل إعلان هيئة النزاهة ، يُعطّل قيام مفوضية مكافحة الفساد؟

الإجابة من حيث النص الدستوري واضحة: فمفوضية مكافحة الفساد استحقاق ملزم لا يسقط بقيام هيئة موازية. غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يتقدم التأسيس التنفيذي على الاستحقاق الدستوري، بما قد يخلق “تعطيلاً بنيوياً مربكآ ”، تتحول فيه الهيئة إلى بديل عملي يسبق المفوضية، لا امتداداً لها، فتتشكل الوقائع المؤسسية قبل اكتمال المرجعيات القانونية.

ومن هنا يبدأ التحدي الحقيقي أمام الفريق عابدين الطاهر. فنجاح هيئة النزاهة والشفافية لا يُقاس بسرعة الحركة في ملاحقة قضايا الفساد، بل بقدرتها على تثبيت حدود ولايتها بوضوح. ما الذي تملكه من صلاحيات؟ أين يبدأ دورها وأين ينتهي؟ وكيف تُدار العلاقة بينها وبين النيابة والقضاء والأجهزة الرقابية الأخرى دون تضارب أو تداخل؟ ثم يأتي التأسيس الأهم:

بناء فريق مؤسسي متكامل لا يقوم على الشخصنة والشلليات ، بل على تكامل القانونيين، والخبراء الماليين، ووحدات التدقيق، بما يمنع تحول الهيئة إلى امتداد لشخص رئيسها بدل أن تكون جهاز دولة.

وهنا تبرز ملاحظة جوهرية رشحت في عدد من النقاشات السياسية والقانونية، مفادها أن هيئة النزاهة والشفافية، من حيث الأصل، ليست جهازاً بوليسياً معنيّاً بالملاحقة الجنائية المباشرة، بقدر ما هي مؤسسة رقابية تُعنى بمراقبة أداء الدولة في إدارة المال العام، وترسيخ معايير الحوكمة، وضبط العلاقة بين السلطة والموارد. ومن هذا المنطلق، يذهب كثيرون إلى أن مثل هذه المؤسسات، قد يكون الأقرب إلى طبيعتها أن يقودها عقل قضائي، أو خبير راسخ في الإدارة العامة والحوكمة، أكثر من كونها امتداداً لمدرسة الضبط الأمني مهما بلغت كفاءة أصحابها.

ومن هنا يبرز تساؤل مهم أمام رئيس الوزراء د. كامل إدريس: هل صدر أمر تأسيس واضح لهذه الهيئة؟ وما هي مهامها واختصاصاتها وحدود ولايتها القانونية؟ وهل توجد صياغة دقيقة تمنع تقاطع صلاحياتها مع النيابة والقضاء والأجهزة العدلية الأخرى؟ فغياب هذه الحدود ، قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج تجارب مخزية عاشها السودان أيام “لجنة التمكين”، حين تحولت أدوات الإصلاح إلى مراكز سلطة موازية، فأنتجت جدلاً دستورياً لا تزال المؤسسات تدفع جزءاً من كلفته حتى اليوم.

بحسب #وجه_الحقيقة، لا يبدو الإشكال في تعيين عابدين الطاهر ، بل في التوقيت الذي تبدأ فيها الدولة بناء أدوات مكافحة الفساد قبل اكتمال هندستها الدستورية. فحين تتقدم هيئة تنفيذية إلى واجهة المشهد قبل تفعيل مفوضية مكافحة الفساد باعتبارها استحقاقاً دستورياً، فإن السؤال لا يعود متعلقاً، بمن يقود المعركة ضد الفساد، بل بأي مرجعية تُدار هذه المعركة: بالدستور أم بمنطق الضرورة؟ وحين تتقدم الضرورة على النص ، لا يعود الفارق بين “دولة النزاهة” و“دولة الملاحقة” مجرد اختلاف في الأدوات… بل اختلاف في اتجاهات الدولة ، وفي طريقة إدارة الحكم.

دمتم بخير وعافية.

*ابراهيم شقلاوي*

السبت 9 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com

__________

*لمتابعة قناة (مُهرة) على الواتساب*👇🏽

https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى