حرب الثقة.. كيف يُزرع الشرخ بين الإعلام الداعم والسلطة؟
*حرب الثقة.. كيف يُزرع الشرخ بين الإعلام الداعم والسلطة؟*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
ليست كل الحروب تلك التي تُسمع فيها أصوات الرصاص، فبعض المعارك تُدار بصمتٍ أشد فتكًا؛ تبدأ بهمسة شك، وتتسع بفجوة تأويل، ثم تنتهي بتآكل الثقة بين أطرافٍ يُفترض أنها تقف في خندقٍ واحد. وحين تدخل الدول مراحل الاستنزاف الطويل، يصبح الهدف الأخطر ليس إسقاط الجبهات العسكرية فحسب، بل إنهاك الجبهة المعنوية، وضرب الروابط النفسية بين الدولة وبيئاتها الداعمة، حتى يتحول الحليف إلى قلق، والداعم إلى متوجس، والصوت الواحد إلى أصوات متنافرة.
ما يُلاحظ اليوم من توتر متصاعد بين بعض دوائر السلطة والإعلام الداعم لا ينبغي التعامل معه باعتباره خلافًا عابرًا أو حالة انفعال مؤقتة، بل كإشارة تستوجب قراءة أكثر عمقًا واتزانًا. فالحروب الحديثة لم تعد تُدار بالسلاح وحده، وإنما بإدارة الإدراك العام، وتوجيه المزاج الشعبي، وصناعة الانفعالات التي تُربك الصفوف من الداخل دون إطلاق طلقة واحدة.
لقد أصبح الإعلام الداعم، خلال هذه المرحلة الحساسة، أكثر من مجرد ناقل للأحداث أو مفسر للمواقف؛ بل تحول إلى جدار معنوي يحفظ تماسك الرأي العام وسط ضباب الشائعات، وضغط الحرب، والتدفق الهائل للمعلومات المتضاربة. ومن هنا، فإن أي تصدع في العلاقة بين هذا الإعلام والمؤسسات الرسمية يخلق فراغًا خطيرًا تتسلل عبره حملات التشكيك والتأجيج وإعادة تشكيل الوعي العام بصورة ناعمة ومتدرجة.
فالاختراق لا يبدأ دائمًا عبر العداء المباشر، بل عبر تراكمات صغيرة تُدار بعناية: تضخيم الأخطاء، تأجيج ردود الأفعال، إعادة تدوير الخلافات، وتحويل النقد الطبيعي إلى حالة احتقان دائم. ومع الوقت، تتحول البيئة الداعمة نفسها إلى ساحة استنزاف، ويصبح الانفعال أداة لتوسيع الشرخ وإضعاف التماسك الداخلي.
لا أحد يرفض النقد الواعي، بل إن الدول القوية تُبنى على القدرة على التصحيح والاستماع. لكن الفارق عميق بين نقدٍ يسعى إلى حماية الدولة من أخطائها، وخطاب يُدفع تدريجيًا — بقصد أو دون قصد — نحو إسقاط الثقة وتفكيك الحاضنة المعنوية تحت ضغط الغضب والاستقطاب.
كما أن الحكمة السياسية تقتضي إدراك أن الإعلام الحر الداعم لا يُحتوى بالتضييق والانفعال، بل ببناء جسور الثقة والشراكة والاحترام المتبادل. فكلما اتسعت مساحات التوتر، ازدادت قدرة المتربصين على تحويل الخلافات الطبيعية إلى معارك مفتوحة تُستهلك فيها الطاقات ويضيع فيها التركيز عن التحديات الكبرى.
إن أخطر ما قد تواجهه المجتمعات في زمن الأزمات ليس فقط قوة الخصوم، بل نجاحهم في جعل الداخل يفقد ثقته بنفسه. ولهذا تبقى اليقظة ضرورة وطنية، لأن معركة الوعي تسبق غالبًا معركة الحسم، ولأن سقوط الثقة من الداخل قد يكون أكثر كلفة من أي خسارة في الميدان.
*…ابو يامن……*
___________
*للانضمام لـ (مُهرة 1)*
https://chat.whatsapp.com/I1BmnbNrRP2EdeGsDoQXn6?mode=gi_t




