مقالات

المتنبّي، صاحبُ النَّفسِ الكبيرةِ

*المتنبّي، صاحبُ النَّفسِ الكبيرةِ*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

يحلو لِمَن يتناولون الشعر مادّة وشُخُوصاً – وأعني بِهم الشعراءفي أجهزة الإعلام – أن يكرّروا أنّ الشِّعر قد انزوى في زمن العولمة والفضاءات التكنولوجيّة، وهذا من شأنه أن يُضعف من مكانة الشاعر، ويذهب بِدَوْرِهِ الحضاريّ تجاه أمّته، قال أبوالطيّب المتنبّي:

أنا في أُمّةٍ تدارَكَها اللهُ//غريبٌ كصالحٍ في ثَمُودِ

2️⃣

المتنبّي وحده يدحض ما يقولون، حتّى لكأنِّي به يمدُّ بأصبعه محذِّراً هؤلاء الذين يقحمون العولمة حتّى في دواوين الشّعر العذبة الرَّقراقة، الصافية المياه،كما قال بشّار بنُ بُردٍ:

تزدَحِمُ القُصَّادُ مِن أبوابِهِ//والمَنهلُ العَذبُ كثيرُ الزّحَامِ

3️⃣

يستطيع مَن يقرأ أبا الطيّب أحمد بن الحسين المتنبّي بحيادٍ شديد، وإعجاب أشدّ أن يرى فيه رمزاً للزعيم العربي أبِيِّ النّفس، كريم الأصل، الباحث عن كنز أضاعَه شعبُه، وفرّطَت فيه أُمّتُه من المحيط إلى الخليج.

4️⃣

رحلات المتنبّي إلى المُدن كحلب الشهباء ببلاد الشام، والرِّيّ وشيراز ببلاد فارس، والقاهرة بوادي النيل من إفريقيا، وبغداد وإنطاكية، تدلُّ كلّها دليلاً قاطعا على هذا الرأي، وخلاصته هي أنّه إنّما كان يبحث عن كنز، هذا الكنز لم يكن إلاّ مآثر وأمجاداً، ورفعة وانتصارات:

كأنَّ القِسِيَّ العاصياتِ تُطِيعُهُ//هَوىً أوْ بِها في غيرِ أُنمُلهِ زُهْدُ

يكادُ يُصيبُ الشيءَ مِن قبلِ رَميِهِ//وَ يُمْكِنُهُ في سَهْمِهِ المُرسَلُ الرَّدُّ

5️⃣

وإلاّ لو كان الأمرُ استجداءاً لمالٍ، أو جرياً وراء منصب؛أو طلباً لِشُهرةٍ لاكتفى بالبلد الواحد يتزلّف إلى سلطانه ليجد فيه منصباً، وبالزّعيم الواحد يجد فيه مادّته مدحاً ومالا.

ويكفي أن النقّاد ذهبوا إلى أنّ أبا الطيّب هو الذي صنع سيف الدولة بن حمدان- مَلك دولة الحمدانيّين في حلب- ، وليس سيف الدولة مَن صنعه.. ولقد سجّل ذلك أبو إسحٰق الغَزِّيّ – مِن غزّة بفلسطين-في شعره:

لولا أبو الطيّبِ الكِنديّ ما امتلأت// مسامِعُ النّاسِ مِن مدحِ بن حمدانِ

6️⃣

ثُمّ إنَّ الزُّعماء الّذِين كانوا يتمنّوْن وِفادته إليهم، ويترَجَّوْنه في مدحِهم لم يكونوا شيئا مذكوراً، فهو الذي خلّد أسماءَهم في سُجِلِّ التاريخ، ولذلك أتت إليه أعطياتهم راغمة خاضعة – برغم أنّهم كانوا ملوك الأرض- ولئن كانت أعطيات سيف الدولة – وهو أكثرهم اعتدادا بعروبته، فإن شأن مَن سِواه مثل بدر بن عمّار حاكم إنطاكية لا بدّ ستكون أعطياتهم أعظم شأناً وأكثرها تقرُّباً إليه:

لَحَا اللّهُ ذي الدُّنيا مناخاً لِراكِبٍ //فكلُّ بعيدِ الهمّ فيها مُعذّبُ

7️⃣

كما يستطيع مَن يقرأ المتنبي ويعيش سيرته رمزا وزعيماً أن يضرب صفحا، ويُعرِض كلّ الإعراض عمّا قاله نقّاد مثل ابن فَوَرَّجة والعَروضيّ، والتبريزيّ، لأنّ التجنِّي في أقوالهم بادٍ، والاضطراب في رواياتهم قد بدا لأهل السند كما بدا وجهُ أخت سيف الدولة خولة ابنة حمدان للمتنبي وهي جثّة مُكَفَّنة فصوّرها بقوله:

صلاةُ اللّٰهِ خالقِنا حَنُوطٌ//على الوَجهِ المُكَفَّنِ بالجمالِ

وحسبُك بقول ابن جِنِّي شارح ديوانه وهو أبوالفتح عثمان، من أئمّة اللغة والأدب، حسبُك بقوله دليلاً على تكالُب الحُسّاد عليه، قال :”وكان قومٌ قد وَشَوْا به إلى السلطان في صِباهُ، وتكَذَّبُوا عليه، وقالوا له:” قد انقادَ لهُ خَلْقٌ كثير مِن العرب، وقد عزمَ على أخذ بلدِك، حتى أوحشوهُ منه، فاعتقله، وضيّقَ عليه، فكتب إليه يمدحه”.

يقدّمون الوشايات بأنّه طالب سلطان، ولو كان هذا هَمُّه لناله، إنّما هُمُ الذين كانوا يخافون سُلطان شِعره، والتفاف النّاس حوله، وانفضاضهم عن سلطان كلّ ذي سلطانٍ لا يراه إلاّ كُرسِيّاً يعلو عليه أَو قطعة من الأرض يتملّكها.

8️⃣

وظيفة الشاعر تبرز هَهُنا إذن، وهي أنّه قاريءٌ جيّدٌ لِواقعِ أُمّتِه في المقام الأوّل

، منافح عنها ثانياً، باحث عن كنزها الضائع ثالثاً.

لذلك تأمّل كيف يتحامل على نفسه الكبيرة فيمدح مَن يَعتقِلَه لا هيبةً ولا استرحاماً، وإنّما كان يرومُ إيقاظ الهمّة في نفس مُعتَقِلِهِ، وإحياءاً لِلهَمِّ المصيريّ في شُعُورِه:

سَقَيْتُهُ عبَراتٍ ظَنَّها مَطَراً//سوائلاً مِن جُفُونٍ ظَنَّها سُحُبَا

-مَصَائبُ شَتّى جُمِّعَت في مُصِيبَةٍ//وَلَم يَكفِها حتّى قَفَتها مصائِبُ

9️⃣

كلّ هذا يريك – أيُّها القاريء الواعي- أبا الطيّب في صورةٍ صادقة بعيدةٍ عن الاستجداء، استجداء المناصب والمجد الزائف، كما يُريك نفسَه الكبيرة مستعليةً في نفس زعيمٍ حُرٍّ :

أُفَكِّرُ في مُعاقَرَةِ المَنايا//وَقَوْدِ الخيلِ مُشرِفةَ الهَوَادِي

زَعيمٌ للقَنا الخَطِّيِّ عَزمِي//بسفكِ دمِ الحَواضرِ والبوادِي

*أبوذر أحمد مُحمّد*

Thu. 21.5.2026م

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى