اعمدة مهرة

الأبيض : مدينه تبحث عن دوله داخل الحرب

*الأبيض : مدينه تبحث عن دوله داخل الحرب*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

الأبيض اليوم لا تعاني من جريمة عابرة، ولا من تفلتات يمكن التعامل معها بالبيانات المطمئنة أو حملات العلاقات العامة. ما يحدث أكبر من ذلك بكثير. المدينة دخلت مرحلة “التآكل الأمني البطيء”، وهي أخطر المراحل التي تمر بها المدن أثناء الحروب، لأن الخطر فيها لا يأتي فقط من العدو خارج الأسوار، بل من انهيار فكرة السيطرة داخلها.

الناس في الأبيض لم يعودوا يخافون من القصف وحده، بل من الطريق إلى البقالة، ومن العودة بعد المغرب، ومن صوت الدراجة النارية، ومن الشخص الذي يحمل السلاح بلا هوية واضحة ولا مهمة واضحة ولا مساءلة واضحة. وهذه أخطر نقطة تصل إليها أي مدينة؛ حين يصبح المواطن غير قادر على التمييز بين من يحميه ومن يهدده.

الجريمة لم تعد سرقة هاتف. هذه قراءة سطحية.

حين يُقتل شاب من أجل هاتف، ويُقتل نظامي بالطريقة نفسها، ويُقتل مهندس في حي سكني ثم يهرب القاتل وسط المدينة، فهذه ليست “شفشفة” بالمعنى الشعبي الذي اعتدنا عليه، بل انهيار تدريجي لهيبة الدولة واحتكارها للقوة.

والأخطر أن أغلب هذه الجرائم ـ بحسب ما يتداوله الناس وما تشير إليه الوقائع ـ تُرتكب بواسطة عناصر مسلحة ترتدي زياً عسكرياً وتتبع لتشكيلات معلومة. هنا تتحول القضية من جريمة جنائية إلى أزمة سيطرة وقيادة وانضباط. لأن السلاح حين يخرج من العقيدة العسكرية إلى الاستخدام الشخصي، تتحول المدينة كلها إلى رهينة.

لا توجد مدينة في العالم يمكن أن تعيش بهذا الحجم من السلاح المنفلت ثم تبقى مستقرة.

ولا توجد حرب في التاريخ نجحت فيها سلطة سمحت بتعدد مراكز القوة داخل المدن.

الأبيض الآن تعيش بين فكَّين:

حصار خارجي يضغط عليها عسكرياً واقتصادياً، وطوق داخلي يصنعه المتفلتون والشفشافة والطابور الخامس وحاملو السلاح بلا ضوابط. ولهذا يشعر المواطن أن المدينة تُستنزف من الداخل أكثر مما تُهاجم من الخارج.

الخطأ الأكبر أن البعض ما زال يتعامل مع ما يحدث باعتباره ظواهر متفرقة، بينما الحقيقة أن المدينة تحتاج إلى “عقيدة أمنية جديدة” تناسب طبيعة الحرب الحالية، لا إلى حملات موسمية تنتهي بعد كل حادثة.

الأمن لا يُبنى بردود الأفعال.

الأمن الحقيقي يُبنى بمنظومة استباقية تمنع الجريمة قبل وقوعها، لا بمنشورات النعي بعد وقوعها.

ولهذا فإن أي معالجة حقيقية يجب أن تبدأ من نقطة شجاعة جداً:

الاعتراف بأن الأبيض مخترقة أمنياً، وأن هنالك رخاوة في السيطرة على القوات المسلحة المنتشرة داخل المدينة، وأن هنالك تداخلاً ضاراً بين العسكري والمدني، وبين المقاتل والمتفلت، وبين صاحب المهمة وصاحب المصلحة.

لا يمكن ضبط المدينة ما دام السلاح يتحرك ليلاً بلا رقابة.

ولا يمكن إعادة الطمأنينة بينما بعض القوات تقيم وسط الأحياء السكنية بلا ضوابط حركة واضحة.

ولا يمكن القضاء على الشفشفة بينما المتفلت يعرف أن فرصة إيقافه أو تفتيشه ضعيفة.

الحلول الحقيقية ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إرادة لا مجاملة فيها.

أول الطريق هو إعادة احتكار القوة للدولة، عملياً لا نظرياً.

كل قوة مسلحة داخل الأبيض يجب أن تكون معروفة القيادة والموقع والحركة والمهام. أي فرد يحمل سلاحاً بلا إذن حركة واضح يجب أن يُعامل كتهديد أمني فوراً مهما كانت الجهة التي ينتمي إليها. المجاملة هنا خيانة للمدينة.

ثم تأتي مرحلة إعادة تنظيم الوجود العسكري نفسه.

المدن لا تُدار بهذا الحجم من الانتشار العشوائي للسلاح. المطلوب معسكرات خارج النطاق السكني، وتقليل الوجود المسلح داخل الأحياء، وتحويل القوات إلى محاور العمليات لا إلى تجمعات داخل الأسواق والحارات.

بعد ذلك تبدأ مرحلة السيطرة الميدانية الحقيقية:

ارتكازات ثابتة، أطواف مشتركة، نقاط تفتيش ليلية، مراقبة لحركة الدراجات النارية، منع حمل السلاح الظاهر داخل الأسواق، وتفعيل استخبارات ميدانية وسط الأحياء نفسها، لأن الجريمة الحالية ليست جريمة احترافية معقدة، بل جريمة تستفيد من غياب الردع.

كذلك تحتاج الأبيض إلى غرفة أمنية موحدة تعمل طوال اليوم، مرتبطة برقم طوارئ حقيقي وسريع الاستجابة. المواطن الآن يشعر أنه وحده، وهذه أخطر رسالة يمكن أن تصل للناس أثناء الحرب.

لكن الأهم من كل ذلك هو إعادة بناء الثقة.

المواطن يريد أن يرى الحسم، لا أن يسمع عنه. يريد أن يرى المتفلت يُعتقل مهما كان انتماؤه. يريد أن يشعر أن القانون أقوى من البندقية، وأن المدينة ما زالت تحت سيطرة الدولة لا تحت رحمة المسلحين.

العالم مليء بتجارب مدن خرجت من الفوضى، لكن القاسم المشترك بينها جميعاً كان شيئاً واحداً:

الحسم المبكر قبل تحول الجريمة إلى ثقافة.

الأبيض ليست مدينة ميتة، لكنها مدينة مُرهقة ومُستنزفة ومحاصرة بالخوف.

وإذا استمرت حالة التراخي، فإن أخطر ما سيحدث ليس ارتفاع عدد الجرائم، بل اعتياد الناس عليها. وحين تعتاد المدن على الخوف تبدأ في فقدان روحها بالتدريج.

الأبيض لا تحتاج إلى خطب حماسية.

ولا تحتاج إلى تطمينات باردة.

هي تحتاج إلى قرار.

قرار يعيد للدولة هيبتها.

وللسلاح انضباطه.

وللمواطن شعوره بالأمان.

وإلا فإن المدينة التي صبرت على الحصار والعطش والظلام… قد تسقط أخيراً من الداخل.

*لؤي اسماعيل مجذوب*

 

زر الذهاب إلى الأعلى