رشان أوشي: كيف تقود فخاخ اللغة إلى الإدانة؟
*رشان أوشي: كيف تقود فخاخ اللغة إلى الإدانة؟*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
يجب ألَّا يُنظَر إلى الحُكم بسجن الصحفية رشا أوشي، فرَّج الله كُرْيتها، على أنه واقعةٌ فرديَّة تخصُّها وحدها، بل باعتباره درسًا مهنيًا وقانونيًا قاسيًا، وجرس إنذارٍ حقيقيًا لكلِّ العاملين في الحقل الصحفي، وخاصةً أولئك الذين يخوضون في ملفَّات الفساد والتحقيقات الحسَّاسة؛ فهذه المساحات تحديدًا شائكة، ولا تحتمل التهاون في التناول والصياغة، وتقتضي أقصى درجات اليقظة والانضباط والدقَّة في اختيار الألفاظ والتعابير.
من أهمِّ ما يحتاجه الصحفي أن يتحلَّى بحسٍّ قانوني رفيع، وقدرةٍ عالية على تحاشي العبارات والألفاظ والصياغات التي قد تفتح عليه أبواب المحاكم، وربما تقوده إلى الملاحقة والسجن مهما كانت سلامة مقصده أو نُبل دوافعه؛ فالصحافة ليست مجرَّد مهارةٍ في استقاء المعلومات ونقلها، وإنما هي أيضًا فنُّ إدارة تلك المعلومات بلغةٍ دقيقة ومسؤولة تُوازن بين حقِّ الجمهور في المعرفة وكشف الفساد من جهةٍ، وبين مقتضيات القانون وأصول المهنة من جهةٍ أخرى. وكثيرًا ما وجد صحفيون أنفسهم في أزماتٍ قاسية، لا بسبب ضعف معلوماتهم أو هشاشة أدلَّتهم، بل نتيجة التسرُّع في الصياغة، أو الانجراف وراء إغراء “الترند”، والسعي إلى كسب التصفيق الجماهيري على حساب الاحتراز المهني والانضباط القانوني.
لم تأتِ الاحتياطات اللغوية في الصحافة الغربية عبثًا؛ فالصحافة الإنجليزية على سبيل المثال، طوَّرت عبر عقودٍ طويلة منظومةً من الصياغات القانونية الاحترازية التي تحمي المؤسسات الإعلامية من الوقوع في المحاذير القانونية، وتحافظ في الوقت نفسه على المهنيَّة والحياد.
ولذلك، تحضر في لغة الأخبار تعبيراتٌ مثل (alleged)، و(allegedly)، و(claimed)، و(reportedly)، و(believed to be/ to have)، وغيرها من الصيغ التي تتجنَّب الجزم بالإدانة قبل صدور حُكمٍ قضائي نهائي؛ فعندما تكتُب صحيفةٌ إنجليزية مثلًا (for his alleged participation)، فالمقصود ليس التشكيك في الواقعة أو الدفاع عن الشخص المعنيِّ، وإنما الالتزام بمبدأٍ قانوني أساسي يقوم على عدم القطع بثبوت التهمة قبل حسمها قضائيًا. غير أن بعض الترجمات العربية الحرفية تُفسِد هذا المعنى، فتجعل العبارة وكأنَّها تشكيكٌ في القضية نفسها أو انحيازٌ لصالح المتهم، بينما المقصود في الأصل هو الالتزام بالحياد القانوني لا أكثر. ولهذا، تكون الصياغات العربية من قبيل (لاتهامه بالضلوع) أو (للاشتباه في مشاركته) أكثر دقَّةً من عباراتٍ مثل (لمشاركته المزعومة) أو (لضلوعه المزعوم)، لأن كلمة (زعم) في العربية ليست محايدة دائمًا، بل قد تحمل إيحاءً بالتشكيك أو عدم التصديق.
ومن هذا الباب أيضًا، لا يكون النقل الحرفي لكلمة(claim)إلى (زعم) أو (ادَّعى) دقيقًا دائمًا؛ فهاتان الكلمتان تحملان في العربية نبرةً تشكيكية قد لا تكون موجودةً في النص الإنجليزي الأصلي، بينما تكون كلمات مثل (قال) أو (ذكر) أقرب إلى الحياد المطلوب في النقل والكتابة الصحفية.
ويظهر الحرص القانوني في الصحافة الإنجليزية كذلك في طريقة التعامل مع الأشخاص الخاضعين للتحقيق؛ إذْ تتحاشى المؤسسات الإعلامية وصف شخصٍ بأنه (مُتهم) ما لم تُوجَّه إليه تهمةٌ رسمية من النيابة. ولذلك، تُستخدَم تعبيراتٌ حذرة مثل (The man is assisting police with enquiries)، وهو تركيبٌ لا يعني أن الشخص “يساعد الشرطة” بالمعنى المتداول عربيًا، وإنما تعني أنه يخضع للاستجواب أو التحقيق دون توجيه اتهامٍ رسمي له؛ فالترجمة الحرفية هنا قد تُنتج معنىً مُضلِّلًا يُوحي بأن الشخص متعاونٌ مع الشرطة أو يعمل مخبرًا لديها، بينما المقصود قانونيًا مختلف تمامًا.
ومن الأساليب الشائعة كذلك في الصحافة الإنجليزية استخدامُ تعبيراتٍ فضفاضة ومحسوبة قانونيًا مثل (linked to)، كما في قولهم (The group was linked to money laundering activities)؛ وهي صياغةٌ لا تُثبِت مسؤوليةً مباشرة، بل تكتفي بالإشارة إلى وجود صلةٍ أو ارتباطٍ محتمل من غير الجزم بالتورُّط. ويظهر هذا الحرص القانوني أيضًا في اللغة التي تستخدمها الشرطة ووسائل الإعلام عند نشر صور أشخاصٍ التقطتهم كاميرات المراقبة؛ إذْ تُستعمَل عباراتٌ مخفَّفة مثل (Police wish to speak to this person)، أو (Police are seeking this person in connection with the investigation)، وهي صيغٌ تتجنَّب وصف الشخص بالمُشتبه به أو المجرم، وتكتفي بالإشارة إلى أن الشرطة ترغب في التحدُّث إليه أو تحديد هُويَّته، لأن ظهوره في الصورة قد يعني فقط أنه شاهدٌ أو يمتلك معلوماتٍ ذات صلةٍ بالقضية. ومن هذا الباب كذلك تعبير (persons of interest) الشائع في الصحافة الأمريكية، والذي يُستخدَم للإشارة إلى أشخاصٍ ترغب جهاتُ التحقيق في الاستفسار منهم دون أن يعني ذلك بالضرورة أنهم مُتَّهمون أو مُشتَبهٌ بهم رسميًا.
هذه المفردات ليست حشوًا لغويًا، ولا زخرفةً أسلوبية، بل جزءٌ أصيل من العدَّة المهنية والقانونية التي تحتمي بها الصحافة الجادَّة من السقوط في فخِّ الإدانة المباشرة والتورُّط في التبعات القضائية؛ فالكلمة في العمل الصحفي ليست مجرَّد أداة تعبيرٍ، بل وثيقةٌ قد تُستدَعى أمام القاضي، وجملةٌ قد تتحوَّل إلى دليل إدانةٍ أو سبب ملاحقةٍ. وإذا كان هذا القدر من التدقيق والاحتراز حاضرًا في الصحافة الغربية عند تناول القضايا العامة، فما بالك بملفَّات الفساد والتحقيقات الحسَّاسة، حيث يمكن لفارقٍ صغير في الصياغة أن يفصل بين صحفي يكشف الحقيقة وصحفي يجد نفسَه في قفص الاتهام.
ومن أكثر الأمثلة شيوعًا على اضطراب الترجمة في الإعلام العربي فيما يتَّصل بموضوع المقالة ترجمة عبارة(suspected terrorist)إلى (إرهابي مُشتَبهٌ به)؛ إذْ تبدو الصياغة مُختلَّةً من الناحية الدلالية؛ لأنها تُضفي على الشخص صفة (الإرهابي) ابتداءً، ثم تُلْحِق بها الشبهة بعد ذلك وكأنَّ التهمة ثابتة؛ بينما المقصود في الأصل الإنجليزي هو أن الشخص (مُشتَبهٌ في ضلوعه في أعمالٍ إرهابية) أو (يُشتبه في ارتباطه بالإرهاب)، أيْ إن صفة الإرهاب نفسها لم تثبُت عليه بعدُ بحكمٍ قضائي نهائي.
ويبدو أن أوائل مَنْ نقلوا هذه العبارة إلى العربية لم ينتبهوا إلى الفروق الدقيقة بين طرائق الإسناد والوصف في اللغتين العربية والإنجليزية، فاستقرَّت الترجمة المعيبة في الخطاب الإعلامي وتداولتها وسائل الإعلام حتى أصبحت مألوفةً على الرغم من خللها. وليس المقصود من إيراد هذا المثال أنه ينطوي بالضرورة على إشكالٍ قانوني مباشر، وإنما للتنبيه إلى أن أيَّ قدرٍ من التهاون في الصياغة أو النقل قد يُفضِي إلى تشويه المعنى وإرباك الدلالة، وهو ما يفرض على الصحفي أن يتحلَّى بأقصى درجات الدقَّة والانتباه في اختيار ألفاظه وتراكيبه.
استئناسًا بما سبق، فإن الصحفي المحترف لا يتحرَّك بمنطق الناشط وعقليَّته، ولا يكتب تحت تأثير الرغبة في حصد الإعجابات والانفعال الجماهيري، بل يستند إلى بوصلةٍ قانونية يقِظة ولسانٍ مهني منضبط؛ فيُحسِن إسناد المعلومات إلى مصادرها، ويتشدَّد في دقَّة توصيفاته وصياغاته، ولا يذهب إلى الجزم إلا بما استقرَّ عليه حكمٌ قضائي، أو ما قام على وقائعَ موثَّقةٍ لا تحتمل التأويل. كما أن عليه أن يُدرك أن شطارته وشعبيته الصحفية لا تُقاس بكثرة الاحتكاك بالمحاكم أو بتوالي ما يُثار حوله من نزاعاتٍ، بل بصرامة التناول وعُمقه. ولذلك، فإن مهارته الحقيقية لا تتجلَّى في كشف الوقائع فحسب، بل في كيفية روايتها دون أن يضع نفسَه في مرمى المساءلة، أو يتحوَّل من كاشفٍ للفساد إلى مُتهمٍ بالتشهير أو مُدانٍ به.
*خالد محمد احمد*
19 مايو 2026




