مقالات

لن ينهض السودان إلا من بوابة التعليم …(التعليم أولاً)

*لن ينهض السودان إلا من بوابة التعليم …(التعليم أولاً)*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

⏺️في خضم الأزمات التي تعصف بالسودان، وبين ركام الحرب وآثارها الثقيلة على الإنسان والمكان، يبرز سؤال مصيري لا يتعلق بالحاضر وحده، بل بمستقبل الوطن كله: كيف يمكن للسودان أن ينهض من جديد؟

⏺️قد تختلف الإجابات وتتعدد الأولويات، لكن تجارب الأمم والشعوب تؤكد حقيقة لا تقبل الجدل: لا نهضة بلا تعليم، ولا استقرار بلا مدرسة، ولا تنمية بلا معلم.

⏺️لقد خلفت الحرب السودانية جراحاً عميقة في مختلف القطاعات، غير أن أخطر تلك الجراح ربما أصابت قطاع التعليم؛ القطاع الذي يُفترض أن يقود عملية التعافي الوطني ويؤسس لمستقبل أكثر أمناً واستقراراً. فالحروب لا تدمر المباني فحسب، وإنما تدمر فرص التعلم، وتقطع مسارات النمو المعرفي، وتسرق من الأطفال والشباب حقهم الطبيعي في بناء مستقبل أفضل.

⏺️اليوم، يقف ملايين التلاميذ والطلاب أمام واقع صعب؛ مدارس أغلقت أبوابها، وجامعات تعطلت، وأسر فقدت مصادر دخلها، ومعلمون يواجهون تحديات معيشية غير مسبوقة. وفي ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والنزوح، أصبح التعليم بالنسبة لكثير من الأسر رفاهية لا تستطيع تحمل تكلفتها، بعد أن كان يمثل الأمل الأكبر للخروج من دائرة الفقر والتهميش.

⏺️إن ما يثير القلق ليس فقط الفاقد التعليمي الذي خلفته الحرب، بل ما يمكن أن ينتج عنه من فاقد وطني مستقبلي. فالأمم لا تقاس بما تملكه من موارد طبيعية، وإنما بما تملكه من عقول متعلمة وقوى بشرية مؤهلة. وعندما يفقد الأطفال سنوات من التعليم، فإن الوطن كله يفقد سنوات من التنمية والتقدم.

⏺️لقد أثبتت الدراسات الدولية أن كل سنة دراسية تضيع من عمر الطفل تنعكس مستقبلاً على إنتاجيته وفرصه الاقتصادية ومشاركته المجتمعية. ولذلك فإن تكلفة توقف التعليم لا تُقاس بالأشهر والسنوات، وإنما تُقاس بالأجيال.

⏺️ومن المؤسف أن المعلم السوداني، الذي ظل لعقود طويلة رمزاً للعطاء والتفاني والرسالة الوطنية، أصبح اليوم من أكثر الفئات تضرراً من التدهور الاقتصادي. فقد فقدت الرواتب كثيراً من قيمتها الحقيقية أمام التضخم وتراجع العملة الوطنية وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي جعل كثيراً من المعلمين يكافحون من أجل توفير أبسط متطلبات الحياة.

⏺️ولعل أكبر مفارقة تواجه السودان اليوم أن الجميع يتحدث عن بناء المستقبل، بينما يعاني بناة المستقبل أنفسهم من ظروف لا تساعدهم على أداء رسالتهم السامية كما ينبغي.

⏺️إن إصلاح التعليم لا يبدأ من المناهج وحدها، ولا من المباني المدرسية وحدها، وإنما يبدأ أولاً من المعلم. فالمعلم المؤهل والمحفز والمطمئن على أوضاعه المعيشية هو أساس أي مشروع وطني للنهوض بالتعليم.

⏺️لقد مرت دول كثيرة بظروف ربما كانت أكثر قسوة مما يعيشه السودان اليوم. خرجت كوريا الجنوبية من الحرب مدمرة وفقيرة، لكنها قررت أن تجعل التعليم قضيتها الوطنية الأولى. ونهضت رواندا من بين رماد الإبادة الجماعية حين وضعت بناء الإنسان في مقدمة أولوياتها. كما استطاعت فيتنام أن تحول آثار الحرب إلى قصة نجاح تنموي عالمي من خلال الاستثمار المستمر في التعليم والتدريب.

هذه الدول لم تكن تمتلك معجزات اقتصادية، لكنها امتلكت إرادة سياسية آمنت بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران.

⏺️واليوم يحتاج السودان إلى رؤية مماثلة تجعل التعليم مشروعاً وطنياً جامعاً تتكامل فيه جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات الدولية. رؤية تقوم على إعادة تأهيل المدارس، ومعالجة الفاقد التعليمي، وتوسيع فرص التعليم الرقمي، ودعم الأسر الفقيرة، وربط التعليم بمتطلبات التنمية وسوق العمل.

⏺️كما يحتاج السودان إلى ميثاق وطني جديد للمعلم، يعيد له مكانته الاجتماعية والمهنية، ويوفر له حياة كريمة تليق بمن يحمل رسالة بناء الأجيال وصناعة المستقبل.

⏺️إن الإنفاق على التعليم ليس عبئاً على الموازنة العامة كما يتصور البعض، بل هو الاستثمار الأكثر ربحاً والأعلى عائداً والأطول أثراً. فكل جنيه يُنفق على التعليم يعود أضعافاً مضاعفة في شكل استقرار اجتماعي ونمو اقتصادي وتماسك وطني وتنمية مستدامة.

⏺️إن الدول الخارجة من الحروب أمامها خياران: إما أن تنشغل بإدارة آثار الأزمة، أو أن تبدأ ببناء المستقبل. والسودان اليوم بحاجة إلى الخيار الثاني.

⏺️فإذا أردنا وطناً آمناً ومستقراً ومزدهراً، فعلينا أن نعيد الأطفال إلى مدارسهم، والطلاب إلى جامعاتهم، والمعلمين إلى مكانتهم التي يستحقونها.

وحينها فقط يمكن أن نقول إن السودان بدأ بالفعل رحلة النهوض من جديد.

لأن الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا هي أن الأوطان قد تُهدم بالحروب، لكنها تُبنى بالتعليم.

*د.أبوالقاسم الطاهر الفاضلابي.*

تربوي وأكاديمي رياضي

gassimibrahim@yahoo.com

 

زر الذهاب إلى الأعلى