مقالات

الطوب الأحمر

*الطوب الأحمر*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

كانت الأم تقول دائماً إن البيوت تشبه أصحابها.

فكل حجر فيها يحمل ذكرى، وكل جدار يحتفظ بسر، وكل باب يعرف أسماء الذين عبروا منه يوماً وهم يضحكون أو يبكون.

لهذا لم يكن بيتها مجرد بيت.

كان قطعة من عمرها.

بنته كما تبني النساء في الريف السوداني أحلامهن؛ حفنة تراب فوق حفنة تراب، وسنة فوق سنة. كانت تعجن الطين بيديها، وتخلطه بالماء القادم من الساقية، ثم ترفع الجدار قليلاً في هذا الصيف، وقليلاً في الصيف الذي يليه.

وحين اكتمل البيت، بدا كأنه نبت من الأرض نفسها.

في الحوش شجرة نيم عجوز تمد ظلها على العنقريب عند المغيب.

وفي الركن الشرقي مطبخ صغير تتصاعد منه رائحة الكسرة والعصيدة وملاح الويكة.

وكان المساء يأتي هادئاً، فتجتمع الوجوه حول الشاي، وتتبادل الحكايات بينما الريح تداعب أطراف الأشجار.

وكانت الأم تظن أن الأشياء الجميلة خُلقت لتدوم.

لكن البحر كانت له فكرة أخرى.

في البداية لم يره أحد.

سمعوا صوته فقط.

كان هديراً بعيداً يشبه الشائعة.

ثم اقترب شيئاً فشيئاً.

وحين وصل، لم يسأل عن الأبواب ولا عن الذكريات.

دخل كما تدخل الكوارث حين تفقد الدنيا رشدها.

وفي أيام قليلة تغير كل شيء.

سقطت جدران.

وأغلقت نوافذ.

وصارت الطرقات التي كانت تقود إلى البيت تقود إلى أماكن أخرى بعيدة.

أما الأبناء الذين كانوا يملأون الحوش ضجيجاً، فقد حملتهم الجهات الأربع.

واحد إلى مدينة خلف النهر.

وآخر إلى بلاد خلف الصحراء.

وثالث إلى مكان لم تكن الأم تعرف اسمه ولا تستطيع نطق حروفه.

وبقيت هي.

تجلس عند أطلال البيت كل مساء.

تنظر إلى الفراغ.

وتسمع هدير البحر.

فتزداد مرارة.

كانت تظنه عدواً جاء ليأخذ منها ما تبقى من العمر.

ولهذا لم تكن تدعو عليه فحسب.

بل كانت تعاتبه أيضاً.

تعاتب ذلك البحر الذي لم يترك لها غير الذكريات.

ومضت الأيام ثقيلة.

حتى جاء ذات صباح رجل يشبه أبناء القرية.

لم يكن يحمل الكثير من الكلام.

كان يحمل العمل.

وقف وسط الركام طويلاً.

ثم انحنى والتقط أول حجر.

وبدأ البناء.

في اليوم التالي عاد.

وفي الذي يليه عاد أيضاً.

ثم جاء معه آخرون.

وبدأت الجدران ترتفع من جديد.

لكن هذه المرة لم تكن من الطين.

كانت من الطوب الأحمر.

أحمر بلون الشمس حين تغيب فوق الحقول.

وأحمر بلون القلب حين يمتلئ بالإصرار.

وكان البيت الجديد يكبر يوماً بعد يوم.

أوسع من سابقه.

وأقوى من سابقه.

وأقدر على مواجهة الريح والمطر وتقلبات الزمان.

وحين اكتمل البناء، خرجت الأم في الصباح الباكر.

دارت حول البيت ببطء.

لامست الجدران بيديها.

ثم جلست تحت شجرة النيم.

طويلاً.

طويلاً جداً.

حتى ظن الناس أنها تبكي.

لكنها كانت تبتسم.

ثم رفعت رأسها نحو البحر.

ذلك البحر نفسه الذي لعنته سنوات طويلة.

وقالت بصوت خافت:

“لقد أسأت الظن بك.”

سكتت قليلاً.

ثم أضافت:

“كنت أظنك جئت لتأخذ البيت.

ثم اكتشفت أنك جئت لتوقظ الابن.”

وعادت تنظر إلى الجدران الحمراء.

ورأت فيها ما هو أكثر من بيت.

رأت وجوهاً عائدة من طرق الغياب.

ورأت أبواباً تُفتح بعد طول إغلاق.

ورأت مقاعد امتلأت من جديد.

ورأت وطناً يتعلم من جراحه كيف يقف.

عندها فقط فهمت ما لم تكن تفهمه من قبل.

فبعض العواصف لا تأتي لتقتلع الحياة.

بل لتكشف معدن الذين سيعيدون بناءها.

وبعض البيوت لا تسقط لتضيع.

بل لتنهض أقوى مما كانت.

أما البحر…

فقد ظل يردد هديره البعيد.

لكن الأم لم تعد تسمع فيه صوت الهدم.

كانت تسمع أول ضربة معول في بناء المستقبل.

*د.الشاذلي عبد اللطيف*

زر الذهاب إلى الأعلى