من الشراكة إلى النشوز: كيف قاد تراكم التدخلات الإماراتية المنفلتة إلى سقوط نموذج النفوذ الوظيفي

*من الشراكة إلى النشوز: كيف قاد تراكم التدخلات الإماراتية المنفلتة إلى سقوط نموذج النفوذ الوظيفي*

➖🟢➖

*مُهرة نيوز*

 

لم تسقط المشاريع الإقليمية الكبرى في التاريخ بضربة واحدة، بل انهارت حين تراكمت أخطاؤها أكثر من قدرتها على الإخفاء .

ما نشهده اليوم في وضع دولة الإمارات العربية المتحدة داخل الإقليم ليس انعطافة ظرفية ولا سوء تقدير عابر، بل حصيلة منطق سياسي كامل بُني على التدخل، والوكالة، والالتفاف على مفهوم الدولة الوطنية .

هذا المقال لا يتناول الإمارات كدولة، بل كنموذج سلوك سياسي، ويُفكك كيف أدت الأدوار التي مارستها خارج حدودها إلى اللحظة الراهنة التي يمكن توصيفها بدقة بأنها مرحلة تآكل استراتيجي غير قابل للعكس .

منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، انتقلت الإمارات من دولة تركز على التنمية الاقتصادية الداخلية إلى فاعل خارجي نشط بصورة غير متناسبة مع حجمها الجغرافي والديمغرافي .

هذا التحول لم يكن في حد ذاته إشكاليًا، فالتوسع الدبلوماسي مشروع، لكن الإشكال بدأ حين استُبدلت الدبلوماسية بأدوات أمنية، والتأثير الاقتصادي بتدخلات مباشرة، والشراكة مع الدول بمنطق الوكلاء .

هنا تحديدًا بدأ تشكل ما يمكن تسميته بـ«الدور الوظيفي»، حيث لا تتحرك الدولة وفق مصالحها السيادية فقط، بل وفق أدوار مرسومة داخل منظومة أوسع .

 

من تتبع خطوط التمويل، إلى مسارات السلاح، إلى أنماط الخطاب الإعلامي، تُظهر أن الإمارات لم تكن لاعبًا عشوائيًا، بل فاعلًا يعتمد نموذجًا متكررًا: الدخول في مناطق هشة، دعم قوى غير دولية، الاستثمار في الانقسام، ثم محاولة إدارة الفوضى كوسيلة نفوذ .

هذا النموذج طُبّق بدرجات متفاوتة في اليمن، ليبيا، السودان، القرن الإفريقي، وأجزاء من الساحل الإفريقي، مع اختلاف السياقات ووحدة المنهج .

 

في اليمن، ظهرت الصورة الأوضح .

فبينما دخلت السعودية الحرب بمنطق دفاعي مرتبط بأمنها القومي وحدودها، دخلت الإمارات بمنطق مختلف جذريًا .

الوثائق المفتوحة، والتقارير الأممية، وشهادات الميدان، تُظهر دعمًا إماراتيًا مباشرًا لتشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة اليمنية، وسيطرة على موانئ وممرات استراتيجية، وإنشاء بنى أمنية موازية لا تخضع للسلطة الشرعية .

هذا السلوك لم يكن انحرافًا تكتيكيًا، بل تجسيدًا لفلسفة ترى في تفكيك الدولة وسيلة للنفوذ .

 

النتيجة لم تتأخر .

المشروع لم ينتج يمنًا مستقرًا، ولا كيانًا تابعًا قابلًا للحياة، بل أنتج فوضى معقّدة، وكلفة سياسية متزايدة، وانكشافًا قانونيًا متصاعدًا .

الانسحاب الإماراتي لاحقًا لم يكن إعادة تموضع ذكية كما رُوّج، بل انسحابًا اضطراريًا بعد أن أصبحت الكلفة أكبر من العائد .

هنا بدأت أولى علامات السقوط: حين يفقد الفاعل القدرة على الاستمرار في مسرح كان يُعد حجر الزاوية في تمدده .

 

في ليبيا، تكرر النموذج مع اختلاف الأدوات .

دعم أطراف عسكرية بعينها، ضخ تمويل وتسليح، رهان على الحسم بالقوة، وتجاهل لمسار الدولة .

لكن ليبيا، كساحة مفتوحة تتقاطع فيها مصالح دولية متعددة، كشفت محدودية القدرة الإماراتية على تحويل النفوذ المالي إلى سيطرة سياسية مستقرة .

ما أنتجته سنوات التدخل لم يكن دولة حليفة، بل نزاعًا طويل الأمد، وحلفاء متآكلين، وانكشافًا متزايدًا أمام المؤسسات الدولية .

السودان يمثل الحالة الأكثر خطورة في هذا السياق، لأنه يُظهر انتقال التدخل الإماراتي من العمل في الهوامش إلى الاصطدام المباشر مع فكرة الدولة ذاتها .

تقارير وتحقيقات مفتوحة المصدر، من تتبع حركة الطيران، إلى مسارات الذهب، إلى علاقات الدعم اللوجستي، تشير إلى دور إماراتي غير مباشر لكنه مؤثر في تمكين مليشيات مسلحة على حساب الدولة السودانية .

هذا الدور، الذي استند إلى قراءة خاطئة للمجتمع السوداني وتركيبته، أسهم في تسريع الانهيار، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى تحول الإمارات من لاعب خلف الستار إلى طرف مُشار إليه بالأصابع .

 

هنا يبدأ الربط السببي المهم: تراكم التدخلات بلا نجاحات نهائية يؤدي حتمًا إلى لحظة انكشاف .

لا توجد قوة، مهما امتلكت من المال، قادرة على إدارة الفوضى إلى ما لا نهاية دون أن ترتد عليها .

ومع كل ساحة تدخل، كانت الإمارات تستهلك من رصيدها السياسي، وتراكم ضدها أسئلة قانونية وأخلاقية، وتفقد تدريجيًا صورة “الدولة النموذج” .

 

في المقابل، شهدت السعودية تحولًا نوعيًا في مقاربتها الإقليمية ، من دولة قبلت سابقًا بتقاسم الأدوار ضمن تحالفات واسعة، إلى دولة تعيد اليوم تعريف مصالحها وفق منطق السيادة، والاستقرار طويل الأمد، وتقليص الاعتماد على الوكلاء .

هذا التحول لم يكن إعلانًا صاخبًا، بل فك ارتباط هادئ، وهو أخطر أشكال التحول. حين تُرفع المظلة السياسية، يُترك المشروع الوظيفي عاريًا أمام نتائجه .

من زاوية القانون الدولي، فإن نمط السلوك الإماراتي يضعها في منطقة رمادية خطيرة .

مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما هو راسخ في ميثاق الأمم المتحدة، لا يُنتهك فقط بالغزو العسكري المباشر، بل أيضًا بدعم فاعلين غير دوليين يقوضون سلطة الدولة .

مشروع لجنة القانون الدولي حول مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة يقر بوضوح أن الدعم والتمويل والتوجيه يرقى إلى مستوى المسؤولية، حتى دون وجود قوات نظامية على الأرض .

هذا ما يجعل كثيرًا من التدخلات الإماراتية قنابل قانونية مؤجلة، لا تسقط فورًا، لكنها تبقى قابلة للتفجير في أي لحظة سياسية مواتية .

الإعلام لعب دورًا مزدوجًا في هذه القصة .

في مرحلة الصعود، كان أداة تلميع وتضخيم .

في مرحلة التآكل، أصبح ساحة ارتباك ودفاع .

حين تضطر الدولة إلى إنفاق طاقة أكبر على تبرير دورها من ممارسته، فهذا مؤشر ضعف لا قوة .

الانتصار الحقيقي، كما أثبتت هذه المرحلة، لم يكن عسكريًا، بل نفسيًا وإعلاميًا، حين بدأت السردية الإماراتية تفقد تماسكها، وحين لم تعد قادرة على إقناع حتى بعض حلفائها السابقين .

ما نراه اليوم ليس انهيارًا دراميًا، بل سقوطًا بطيئًا لنموذج .

نموذج ظن أن النفوذ يمكن صناعته بسرعة، وأن المال يعوض غياب العمق، وأن الوكلاء يمكن أن يحلوا محل الدول .

هذا النموذج يصطدم الآن بجدار الواقع: لا استقرار بلا دولة، ولا نفوذ مستدام بلا شرعية، ولا تحالفات دائمة بلا احترام متبادل للسيادة .

الخلاصة التي يفرضها هذا التحليل ليست أخلاقية ولا عاطفية، بل استراتيجية بحتة . الإمارات ليست أمام أزمة علاقات، بل أمام مأزق بنيوي في تعريف دورها الإقليمي .

الاستمرار في النهج ذاته يعني مزيدًا من التآكل، ومزيدًا من الانكشاف، ومزيدًا من الكلفة .

أما التراجع وإعادة التموضع الحقيقي، لا الخطابي، فيعني الاعتراف الضمني بسقوط المشروع السابق .

التاريخ، حين يُكتب ببرود الباحث لا بحماس المناصر، سيسجل أن هذه المرحلة كانت لحظة فاصلة: لحظة بدأ فيها منطق الدولة يستعيد مكانه، وبدأت المشاريع الوظيفية تفقد صلاحيتها .

ليس لأن خصومها أقوى، بل لأنها غير قابلة للحياة في عالم بدأ يعيد اكتشاف معنى السيادة.

*إعداد: المهندس / خالد مصطفى الصديق الفزازي*

-خبير الاستراتيجية واقتصاد المعرفة

____________

*للانضمام لـ (مُهرة 13)*

https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT

  • Related Posts

    ( كٌنت هناك )

    *( كٌنت هناك )* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* قلت للزملاء الذين رافقوني في العودة للخرطوم ونحن مجتمعين أنا أٌريد ان أبدأ عودتي للخرطوم بتحية صرح يستحق منا جميعاً التحية والاحترام قال لي أحد الزملاء : ح نبتدئ بالجهة الفلانية قلت له لا بدايتنا ح تكون بوزارة الداخلية و سنكون مع الشرطة السودانية أولادنا الغٌبش مشهدا مشهدا ورواية رواية. الجهاز الذي ينبض بالرجال الأوفياء أصحاب البال الطويل والحنكة الذين كلما رشقتهم حجارتنا أو وصلتهم إساءتنا تحملوها بكل جلد وصبر وحكمة ونكران ذات وقالوا هذا برد وسلام علينا بمبدأ انتوا اغلطوا ونحن بنفتش ليكم الأعذار … الشرطة التي تحملت فوق طاقتها وفوق احتمالية أفرادها لكنها ظلت تقدم في كل الأمكنة .. قدمت في الحرب مئات الشهداء وعشرات الجرحى وجمعا من المفقودين وظلت أيضاً صامدة وصابرة ومحتسبة ولكم في الاحتياطي المركزي مثال رمزية تفوق الجبال شموخا … جلست إلى كبار ضٌباط الشرطة وفي مقدمتهم السيد / الفريق أول حقوقي / أمير عبدالمنعم المدير العام للشرطة هذا الرجل عسكري بوليس حقيقي رجل صارم وحاذق وحافظ لوحه تماماً تهابه حتي وإن كٌنت مٌلما بكل المعلومات فيحدثك حديث العارفين ببواطن الأمور ومرونة القيادة وإقتراح الحلول في وقت صعب .. جلست إلى الأفراد العسكرين لاحظت فيهم الصرامة والاهتمام بالتواصل مع المجتمع والقٌرب منه امتثالاً لشعار (الشرطة في خدمة الشعب) … ورأيت أن الشرطة ترجمت ذلك في التسهيل والتعاون بتبسيط الخدمات في مجالات عديدة أهمها الأمن وتحمل المسؤولية التامة في ظل تحديات كبيرة بأقل الإمكانيات وأعظم الرجال .. دخلت مباني النجدة والعمليات وجدت المهتمين بالأمر على أهبة الاستعداد للاستجابة الفورية للبلاغات عبر الرقم ( 999 ) أو دوريات النجدة المنتشرة في المحليات سألت المسؤول الأول و هو ضابط برتبة متقدمة (هل اتصل بكم مواطن لنجدته ولم تفعلوا )؟ أجابني بروح طيبة نحن قاعدين هنا عشان خدمة المواطن وما بننوم وكل من أراد الفزعة نحن في خدمته … باغته بسؤال خيالي يا سعادتك في مواطن اتصل ولم يحدث تعاون من جانبكم ؟ أجابني جيبي توقيت الاتصال وأعدك أن هذا لم ولن يحدث قط بإذن الله… دلفت منهم إلى الارتكازات وفي كبري النيل الأبيض وجدت الشرطة الأمنية حاضرة وواعية تماماً ومدركة لحساسية الوضع لاحظتهم واقفين في منتصف الكبري لمتابعة السيارات وما تحمله من أشياء في متابعة لصيقة للمواطنيين أعجبتني الهمة العالية والروح الوثابة … وفوق هذا وذاك وجدت الناطق الرسمي للشرطة .. رجل نشط كالنحلة متعاون مع الإعلام ويتعامل بمبدأ الشراكة الذكية بين الأجهزة الأمنية والإعلام .. دخلت رئاسة شرطة ولاية الخرطوم شاهدت الخرطوم العاصمة كلها من غرفة السيطرة والتحكم المواقع و الارتكازات مرور الدوريات و متابعة الشارع العام كله موجود في شاشة وأمامها يجلس كبار الضٌباط بالساعات الطِوال ويظهر عليهم التعب والإرهاق لفكرة التركيز الشديد في متابعة الشاشة حتي لا تضيع منهم لقطة او لمحة علها تكون مدخلا لجريمة أو حدا من حدوث بعض ظواهر النهب والسرقة وغيرها من الجرائم … خرجت من ديار الشرطة بغالبية أفرعها بأن الشرطة السودانية بخير وأنها حريصة على حماية المدنيين بعين ساهرة على الدوام .. لكن إن كان لدي من رسائل : ▪️أولاً : رفع مرتبات المنتسبين للشرطة السودانية حتى يستقر وضعهم المادي نسبياً فهم بشر ولديهم التزاماتهم الأسرية وغيرها … ▪️ثانياً للمواطن : أن يٌعطي الشرطة كامل الاحترام والتقدير اللازم وأن يضعها في مقام الشريك الصديق .. ▪️وثالثاً : لضباط وأفراد الشرطة السودانية أن يجعلوا المواطن هو بمثابة ابنهم البِكر خوفاً واحتواء … ▪️أما أنا فتحيتي خاصة لكل الشرطة السودانية حيّاكم الغمام …. ( قريباً أحدثكم عن رجل عظيم أسمه بابكر سمره ) وبس … *عائشة الماجدي* __________…

    Read more

    Continue reading
    عن أرباح العدوان

    *عن أرباح العدوان!* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* * الذين يدافعون عن العدوان الإماراتي، ويهاجمون منتقديه، لا يقدمون معلومات تلغي المعلوم يقيناً، أو تشكك فيه وتجعله محل تساؤل. المعلومة الوحيدة التي يقدمونها هي أنهم فريق دفاع سوداني، والتساؤل الوحيد الذي يثيرونه يتعلق بمقدار “أتعابهم”! * عندما يعددون الحيل الدفاعية فإنهم في الحقيقة يعددون مصالحهم، فكل حيلة تحدث الناس عن مصلحة ولا تحدثهم عن حجة، ليكون أكثرها ضعفاً هو أكثرها حديثاً عن المصلحة! * وليدل مجموع الحيل على مقدار تركيزهم على إرضاء المعتدي أكثر من الإقناع، وابتعادهم عن الوطن والمواطنين، والأذى الذي يقبلونه لهم إذا تعاكست المصالح! * يدل تمسكهم بالاستمرار في الدفاع عن العدوان ــ رغم أن ردود الفعل تثبت بشكل قاطع أنه يفضح ولا يقنع ــ على قناعتهم بأن ربحهم من العدوان أكبر من خسارتهم، وأن سمعتهم أقل أهميةً من مصلحتهم! * لو كانوا صادقين، مع أنفسهم ومع الناس، ومقتنعين بصحة منطق المصلحة من العدوان، وبوجود مصلحة عامة من الأصل، لحاولوا إقناع الناس بمشاركتهم في الدفاع عن العدوان عبر محاولة إقناعهم بأن مصلحة الوطن والمواطنين منه أكبر من الخسارة، تماماً كحالهم هم! *إبراهيم عثمان* __________ *لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽 https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *