حين نستورد العشب من ضفاف النيل….من المسؤول عن فشل التخطيط الرياضي في السودان

*حين نستورد العشب من ضفاف النيل….من المسؤول عن فشل التخطيط الرياضي في السودان*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
ما الذي يمكن أن يُقال بعد أن يصبح استيراد النجيل الصناعي لملاعب السودان أمرًا اعتياديًا، بينما يقف السودان نفسه على واحد من أعظم الأنهار في العالم؟
وما الذي يمكن أن يُقال أكثر، حين يُطرح مشروع لتغطية ملعب استاد الخرطوم أو استاد عطبرة بالنجيل الصناعي، وكأن البلاد عاجزة عن إنتاج منظومة زراعية ورياضية متكاملة تحفظ هوية الملاعب وتاريخها واستدامتها؟
هنا تحضر الحكمة القديمة بكل مرارتها:
“كالعير في البيداء يقتلها الظمأ… والماء فوق ظهورها محمول.”
السودان ليس بلدًا فقير الموارد، بل فقير الإدارة والتخطيط والرؤية.
وهذه هي الحقيقة التي يثبتها الاتحاد السوداني لكرة القدم يومًا بعد آخر، حين يتحرك بردود الأفعال، لا وفق مشروع وطني متكامل لتطوير اللعبة.
القضية ليست “نجيلًا صناعيًا” فقط.
القضية أعمق من ذلك بكثير.
إنها أزمة عقل إداري لا يعرف كيف يبني منظومة ذات جودة واستدامة.
في العالم المتقدم رياضيًا، لا تُدار كرة القدم بالمناسبات والقرارات المرتجلة، بل تُدار وفق:
دراسات علمية،
معايير جودة،
خطط بنية تحتية،
مؤشرات أداء،
واستثمارات طويلة المدى.
أما عندنا، فما يزال التفكير محصورًا في “تجهيز ملعب” لا “بناء منظومة”.
أي تطوير حقيقي لكرة القدم يبدأ من سؤال واضح: كيف نصنع بيئة رياضية مستدامة؟
النجيل الطبيعي ليس مجرد مظهر جمالي، بل جزء من منظومة متكاملة تشمل:
الصيانة،
أنظمة الري،
المختبرات الزراعية،
الكوادر الفنية،
وإدارة المنشآت الرياضية باحترافية.
لكن لأن التخطيط غائب، أصبح الحل الأسهل هو الاستيراد، حتى لو كان القرار فاقدًا للبعد الفني والاقتصادي والبيئي.
انظروا حولكم فقط إلى مصر الشقيقة.
خلال سنوات قليلة، لم تكتفِ بتطوير ملاعبها الكبرى، بل أنشأت منظومة متكاملة للبنية التحتية الرياضية:
مدن رياضية حديثة،
ملاعب تدريب مؤهلة،
مراكز علوم رياضية،
أكاديميات،
واستثمارات ضخمة في الأرض والإنسان.
أصبحت الملاعب هناك جزءًا من مشروع دولة، لا مشروع أفراد أو اتحادات مؤقتة.
أما نحن، فما زلنا نناقش:
هل نزرع النجيل الطبيعي أم نستورد الصناعي؟
الفارق ليس في المال فقط، بل في طريقة التفكير.
والسؤال الأكبر الذي لا بد أن يُطرح بوضوح: أين وزارة الشباب والرياضة من كل هذا العبث؟
أليست الوزارة هي الجهة التي تضع السياسات العامة للرياضة؟
أليست هي المسؤولة عن التخطيط الاستراتيجي للبنية التحتية؟
أليست هي المعنية بوضع رؤية وطنية حديثة للرياضة السودانية؟
كيف تُترك القرارات المصيرية للاجتهادات الوقتية؟
وكيف تغيب الدولة عن ملف يُعد أحد أهم أدوات القوة الناعمة وبناء الهوية الوطنية؟
إن التراجع الذي تعيشه الرياضة السودانية اليوم ليس بسبب “قلة الزاد”، بل بسبب “مهرة الطهاة”، كما يقول المثل.
كثرة اللجان، وكثرة المسؤولين، وكثرة الشعارات… دون مشروع حقيقي.
كل يوم يبرهن قادة الاتحاد السوداني لكرة القدم أنهم ليسوا على قدر طموحات هذا الشعب ولا إمكانيات هذا الوطن.
والمؤسف أكثر أن كثيرين ما يزالون يتمسكون بالمقاعد، رغم وضوح الفشل الإداري والفني والتنموي.
وحين تعجز القيادات عن صناعة الفارق، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي أن تفسح المجال لغيرها.
فالسودان لا يعاني من نقص الكفاءات.
“حواء السودانية ولادة”، وفي هذا الوطن عقول وخبرات قادرة على بناء مشروع رياضي حديث إذا وُجدت الإرادة.
إن الرياضة الحديثة لم تعد مجرد مباريات ونتائج، بل صناعة متكاملة:
اقتصاد،
بنية تحتية،
علوم،
استثمار،
وتنمية بشرية.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس مجرد إصلاح ملعب هنا أو تغيير عشب هناك، بل إعادة بناء المنظومة الرياضية السودانية كلها على أسس علمية ومؤسسية حديثة.
وعلى وزارة الشباب والرياضة أن تتحرك فورًا لإيقاف هذا العبث الإداري، والمحافظة على موارد الوطن ومقدرات الشعب، وعدم هدرها بدون رؤية ، ووضع استراتيجية وطنية حقيقية لتطوير الرياضة السودانية، قبل أن نفقد ما تبقى من تاريخنا الرياضي.
ويبقى السؤال: هل من قارئ؟
وهل من مستمع قبل أن تتحول ملاعب السودان كلها إلى شاهد جديد على فشل التخطيط؟
*د.أبوالقاسم الطاهر الفاضلابي*
تربوي وأكاديمي رياضي
gassimibrahim@yahoo.com
__________
*لمتابعة قناة (مُهرة) على الواتساب*👇🏽
https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J




