مَــفهومُ الــدّولة مِــن مَــنظُــورٍ إسلامـيّ ،قـراءةٌ فـي دراسـة للبروفيـسور حسـن مـكّي
*مَــفهومُ الــدّولة مِــن مَــنظُــورٍ إسلامـيّ ،قـراءةٌ فـي دراسـة للبروفيـسور حسـن مـكّي*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
تمّت مناقشة هذه الورقة في مجموعة من مجموعات التواصُل الاجتماعي، تضمّ عددا من الدَّارسين والمهتمِّين، أرى من الضروريّ مشاركة القاريء الواعي هذا الجهد المتواضع الذي قام به كاتب عمود (الذي أراه) مثمثِّلا في قراءة الورقة الأصل، وتلخيصها والتعليق على نقاط منها.
ظلّ موضوع الدولة تنظيرا وتأصيلاً يشغل حيِّزا كبيرا في الدراسات والكتب والبحوث ممّا يدلّ على أهميّة مطلبِه ،وديمومة ضرورته،وهذه دراسة بعنوان(مفهوم الدولة من منظور إسلامي) ،كتبها الإسلامي المعروف البروفيسور حسن مكّي محمدأحمد
مدير مركز البحوث والدراسات الإفريقية -جامعة إفريقيا العالمية ،ونُشرت بمجلّة (التنوير)وهي دورية علميّة ثقافية مُحَكَّمة تصدر عن مركز التنوير المعرفي بالخرطوم،في العدد السابع عشر.
2️⃣
تقع الدِّراسة في عشر صفحات من القطع الكبير ،وقد قسَّمها الكاتب البروفيسور حسن مكّي إلى ثلاث حلقات ،كل حلقة يندرج تحتها عدد من العناوين الجانبية التي تقوم مقام الفصول للأبواب ،وتجيب عن تسأولات الدراسة وفرضياتها.
-في الحلقة الأولى جاء عنوان :
▪مستخلص الدراسة:
وفيه يقول الكاتب:
” أفاضت الدراسات الإسلامية والفقه السياسيّ الإسلاميّ وكُتُب الأحكام السلطانيّة مشفوعةً بتجربة الدّولة الإسلاميّة في مساراتها التاريخيّة بوظيفة الإمام أو الخليفة أو السلطان أو الأمير أو الحاكم ولكن فكرة الدّولة القائمة على مؤسّسات، وعلى فصل السلطات وتداوُل للسُّلطة والتدافع السياسي المدني لم يجد حظّه لا في التنظير ولا التأويل، وعرّفت التجربة الإسلاميّة الإمامَ أو الحاكمَ ولكنّها لم تنتهِ إلى فكرةِ الحكومة والتي انتهت إلى الدَّولة الوطنيّة الحديثة ،حيث نبتت هذه الفكرة في الغرب، وتمّ نوطينُها في العالم الإسلاميّ نتيجة لحركة الاستعمار فهي موروث وغرس إستعماريّ ،وتسعى الورقة للإجابة عن سؤال هل تُوجد مواصفات ومطلوبات الحكومة أو الدولة في المرجعيّة الإسلاميّة بحيث يمكن توصيفها وتوليدها؟أم المطلوب إحداث تعديلات في فكرة الحكومة أو الدّولة في المرجعيَّات الغربيّة حتى تتماشى مع البيئة الإسلاميّة وحاضنتها الروحيّة؟
-أيضا في الحلقة الأولى جاء عنوان:
▪الإمامَةُ بينَ صَحِيفةِ المَدينَة وَثَقِيفةِ بَني سَاعِدة والخِلافةِ الرَّاشِدة :
يقول بروفيسور حسن مكّي:
الإمامةُ -أي الرّئاسة- هي ركن الدّين الأعظم عند البعض ،لأنَّها تعني خلافة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الأمّة وفي التجربة السُنّيَّة تبَعَّضَتِ الإمامةُ ،أي فقدت بعض مكوّناتها ،إذ جمعَ الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم الوظيفة الدينيّة بأبعادها السياسيّة والاجتماعية والفقهيّة ولكن في التجربة التاريخيّة لأئمّة أهل السنّة تخلو عن الوظيفة العلمية والفقهيّة للعلماء-أمثال الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعيّ فأصبحوا أهل الفتوى والتقليد،بينما كانت هذه من صميم مطلوبات الإمامة على عهد النُّبُوَّة والخلافة الراشدة، ثُمَّ لمّا جانبَ الخلفاء والأمراء المجتمع وصاروا يميلون للترف والأبّهة برز أئمة التصوّف مثل الحسن البصريّ والجنيد والحارث المحاسبي ،فانفصلت وظيفة الزهد والتواضع والعيش بين الناس كما كان في عهد النبوّة والخلافة الرّاشدة وأصبحت هذه وظيفة قائمة بذاتها ،أمّا أئمة الشيعة فقد حاولوا المحافظة على وحدة الوظيفة الدينيّة نظريّاً ولكنّهم من الناحية العمليّة فَقَدُوا السُّلطة السياسيّة إلاّ على أتباعهم لذا فقد عَضُّوا بالنّواجذ على ماتبقّى من الوظيفة الدينيّة بطابعها العلميّ والفقهيّ، والعيش بين الناس وإصدار الفتوى وتصدُّر المجالس العلميّة.
[وقبل الا نتقال إلى العنوان التالي من نَصّ دراسة البروفيسور حسن مكي لابدّ من وقفة هنا فأقول:
هذا الكلام فيه اضطراب إذ لم يذكر مَن هؤلاء البعض الذين تُعتَبر الخلافة عندهم هي ركن الدِّين الأعظم ومَن الذين لا يعتبرونها كذلك؟هذه نقطة جوهريّة فاتت على الكاتب ولم يستطع تغطيتها فيما بعد حين تعرّض لمسألة الإمامة عندابن خَلدون وغيره،ثمّ كيف تكون الإمامة قد فقدت وظيفتها العلميّة في عهد الأئمّة أبي حنيفة و مالك والشّافعي وَ هُم قد ملأوا الدنيا علماً وفقهاً، حتى كان لأحدهم السُّلطة والهيبة الاجتماعيّة مايفوق أهل الحُكم والسياسة ،وقد تجلّى ذلك في الإمام مالك أكثر ماتجلّى فجمع بين هيبة العلم والمكانة الإجتماعيّة والفتوى ،وقد كان العلماءُ يتولَّوْنَ القضاءَ فدانت لهم سلطةُ القضاء،بل إن الخلفاء أهل الرئاسة كانوا يعرفون للعلماء قدرهم على الأشهر وبخاصة الإمام مالك الذي اقترح له أمير المؤمنين أن يفرض على الأمصار كتابه الموطّأ،فأبى الإمام ُمالك وقال له كلمته المشهورة :” إنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم قد تفرّقوا في الأمصار وصار لكلّ واحد منهم فقهاً فإنَّك إن حملتهم على فقه واحدٍ تكن فتنة..على أيّة حال أجد اضطرابا في هذه المسألة من جانب الكاتب البروفيسور حسن مكي ،ثم إن التشعيب إلى مسائل كالتصوف استطراد لاشأن له بمسألة الدَّولة لأنّ التصوُّف لم يكن مؤثِّرا فاعلا على المسار السياسيّ في بداية مَنشَئِه على الأقلّ،ثم إنّ بعض ملامح الحكومة كانت موجودةً في مسائل جوهريّة كالفترة المحدّدة لرئيس الدَّولة والأمير ،وهو مايعبّر عنه بالتداوُل السَّلمي للسلطة ومؤسّسات الدولة :” عرفت التجربة التاريخيّة الإسلاميّة في عصرها الذهبيّ الرّاشد استمرار بقاء الخليفة في السُّلطة لحين وفاته ،وسرعان ماغاب رُشدُ العهد الذّهبيّ وسرعان ما سُلّ السيف في طلب الخلافة والسُّلطة، وأصبح السيفُ هو الحكَم، وقتل الخلفاء هو والتآمر عليهم وهو أقصر الطرق للسُّلطة، وهو الفساد الباكر الذي أصاب الحياة الإسلامية.
ويعين على تحديد مدّة الرئاسة الحاكم والدّوائر السلطانيّة الأخرى ماعدّه علماءُ الإسلام مِن موجبات عزل الحاكم مثل الكُفر، أو تغيير الشّرع أو ترك الصلاة …ونجد علماءَنا الأجلاّء قد ربطوا بين مقاصد سريان سلطة الحاكم وبين مقاصد المنصب ،المنتسبة لوظائف الدّولة في التصور الإسلامي ،ولهذا أوجبوا عزلَه بسبب بعض الظروف الطارئة على الحاكم ،وممّا انتهى إليه عصرنا أن السلطة الدائمة تولّد فساداً مطلقا في المجتمع وتفسُّخاً في الدّولة ولهذا نرجّح تحقيقا لمقاصد الشريعة ورغبة في تحقيق مقاصد الدّولة أن تُحدّد مدّة بقاء الحاكم في إدارة شؤون الدولة وعدد الدَّورات التي يجوز له الترشُّح فيها لهذا المنصب ،ويشهد لصلاح هذا الاختيار التجربةُ الإنسانيّة الحاضرة،(من كتاب:تأملات في مدنية الدولة وبعض قضاياها،رؤية إسلامية معاصرة، للدكتور عصام أحمد البشير).
3️⃣
ثم ينتقل البروفيسور حسن مكي إلى العنوان الثاني في الحلقة الأولى:
▪صحيفة المدينة أو دستور المدينة:
“لعلّ صحيفة المدينة هي مفتاح من مفاتيح الفكر السياسي الإسلامي ،لأنّها الوثيقة التي اعتمدتها المصادر الأساسية للتاريخ الإسلاميّ -سيرة ابن هشام والطبري وأجزاء منها في البخاري ومسلم..إلخ.وسبقت الصحيفة المواخاة بين المهاجرين والأنصار.وحدَّدتِ الوثيقةُ طبيعةَ نظام الحكم في المدينة وأسندت رئاسة الدولة وزعامتها للرَّسول صلَّى اللّٰهُ عليه وسلّم في إطار نظامٍ لامركزيٍّ فدراليّ يعطي كلَّ شعبٍ له خصائص ثقافيّة سلطةً ذاتيَّة ذات أبعاد إداريّة وقضائيّة وماليّة،واعترفت الصحيفة بالتعدُّدية الروحيّة والإجتماعيّة والتقسيمات من مهاجرين وأنصار ويهود وأهل كتاب وبدو…إلخ.
وذكرت الوثيقة تسعةً من قُوى المدينة التي دخلت في عهد الصحيفة وأنَّه حين وقوع خلاف بين مُكوِّنات مجتمع المدينة فإنّ مردّه إلى الزعيم النبيّ محمّد صلّى اللّٰه عليه وسلّم ولليهود دينُهم، وأنّ النصرة للمظلوم ،وأنّ المسلمين أمّة.
ومع أن الوثيقة يُمكن أن تُعَدّ كأقدم الوثائق التي تحمل مفهوم الدستوريّة والعقد الإجتماعيّ ،إلا أنّها جاءت بسيطة لمجتمع بسيط في قضاياه وأجندته،وكان يمكن أن تتطوّر هذه الوثيقة مع تطوُّر المجتمعات الإسلامية حتى تتفتّح على القضايا المرَكّبة والمعقّدة ،ولو أنّ الحركة الفكريّة الإسلاميّة انتبهت إلى هذا الموضوع لأصبح الفكرُ السياسيّ الإسلاميّ في الطليعة من حيث التقدّم والقيادة والاستجابة لمطلوبات التجديد ومستلزمات المجتمعات الإسلاميّة، ولكن للأسف تمّ تجاهُل الوثيقة، وضرب الاستبداد والكبت والشخصية على العقل السياسيّ الإسلاميّ وسالت الدّماء بغزارة منذ الفتنة الكبرى ،حيث ضربت الحرب الأهلية المجتمع الإسلامي مابين أنصار سيّدنا عليّ وأنصار معاوية، وجماعة معركة الجمل،حتى يُقال ما مِن دماء سالت كما سالت في قضية الإمامة ،وكانت بيعة سيّدنا أبي بكر فلتةً ،لأنّها لم يتمّ التحضير والترتيب لها على قواعد الصحيفة ،وإنَّما نتيجة تدافُع ومبادرات كما حدث في سقيفة بني ساعدة وماتمّ فيها من شُورى خاطفة ،وقبل دفن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ونتَج على إثرها مبايعة الصدّيق ولعلّها كانت أصحّ بيعة في التاريخ الإسلامي حيث توافق عليها معظم أهل الحلّ والعقد..واختلف الأمر مع سيّدنا عمر الذي استخلفه الصدّيق ثمّ بايَعَه أهلُ الحلِّ والعقد ،بينما لجأ عمر رضي اللّه عنه إلى تكوين لجنة سُداسيّة بينما انفرط الأمر بعد مقتل سيّدنا عثمان ،الذي لم يُهيّيء لجنة أو مؤسسة أو خليفة.
[وقبل أن ندلف إلى العنوان الأخير من الحلقة الأولى لابدّ من تجريد القول بأن بيعة سيدنا عثمان رضي الله عنه كانت صحيحة أيضا وأن التهيئة لها كانت محقّقة وقد ذكر كتّابُ السّيَر وحقّقه الشيخ سعيد حوّى رحمه الله في كتابه الإسلام في كلامه عن البيعة].
4️⃣
وينتقل الكاتب البروفيسور حسن مكي إلى العنوان الأخير في الحلقة الأولى وهو بعنوان:
▪مِن صحيفة المدينة إلى الأحكام السلطانيّة -الماوَردي-ابن خلدون-الفارابي-ابن قُتيبة:
يقرر البروفيسور حسن مكي في هذا العنوان:
▪️ لم ينشأ فكرٌ إسلاميّ يستمد مُقوِّماته من صحيفة المدينة ،وظلّ الفكر الإسلاميّ يدور حول عموميَّات،حول الشُّورى ،مستمدّة من مُتَفرِّقات من القرآن الكريم والسنّة النبوية.
▪️أشاعت هذه الآيات :{وأمرهم شورى بينهم}(38:الشورى)،{وشاورهم في الأمر}(159:آل عمران)،{فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاوُر فلا جناح عليهما}(البقرة:233)أشاعت هذه الآيات روح الشورى العامة في المجتمع ،وجعلتها قيمة دينية -وكذلك الأحاديث النبوية مثل(إذا كنتم ثلاثة فأمّروا أحدكم)ماخاب من استخار ولاندم من استشار..إلخ.
▪️تأخّر نشأة فقه سياسي نتيجة للاستبداد والمُلك العضود، والضرب على كل مَن يفكّر في خارج تأكيد سلطة الخليفة أو الأمير.
▪️ يُعرّف كتاب الأحكام السلطانية لصاحبه المَاوَرديّ المتوفّى -450هـ- يعرّف الإمامة :خلافة للنبوّة في حراسة الدّين وسياسة الدنيا، وعقدها واجب بالإجماع ،وعنده الأقرب،الأئمّة من قريش ،امتثالا لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم(قدّموا قريشا ولا تَقْدُموها)وجوّز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وجوّز العهد بها إلى الولد ،ولا يجوز عنده عزل الإمام.
▪️وعقد الماوردي الباب الثاني في تقليد الوزارة على ضَربَين تفويض وتنفيذ، فالأوّل له عموم النظر والاستنابة، والثاني فقط لأداء ما يُطلَب منه،ولا يُجوّز وزارة المرأة ولكنه يجوّز وزارة الذِمِّي(غيرالمسلم)،
كما يجوّز إمارة الغلبة والاستيلاء.
▪️ أمّا ابنُ خَلدون في مقدّمته(كتاب مقدّمة ابن خلدون الشهيرة في علم الاجتماع)،فتأمّل في قيام الدُّول وشيخوختها ،وفي العصبيّة كأساس للمُلك ،كما وصف الدُّول القائمة في المشرق والمغرب،ومع إنه باني عِلم الاجتماع ،ومؤرّخ جَهْبَذ أرّخَ لسقوط الدُّول وقيامها كما تعرّض للنظريَّات المتعلّقة بالإمامة عند أصل السنّة والشيعة وكاد أن يُدخِل اللَّبنة الثانية في صحيفة المدينة في الفكر السياسي الإسلاميّ، ولكنّ مسؤولياته كقاضٍ ومؤرّخ ورحّالة ربّما لم تُمَكّنه من ذلك كما فعل الفلاسفة الأوربيّون: هوبز، وجون لوك، واستيورث مِل، وجان جاك روسو، وغيرهم من فلاسفة التنوير الذين وضعوا نواة الفلسفة السياسيّة التي قامت عليها الدولة الحديثة.[كان فكر ابن خلدون فكرا تأسيسا لم تؤثر فيه حياته الخاصّة ،وكان ابن خلدون فقيهاً على مذهب المالكيّة ،وقد أفاده هذا في أن يؤسِّس عِلْمه “العمران” على قواعد وضعها قبله الإمام أبوحامد الغزالي صاحب كتاب “إحياء علوم الدِّين” ،وقد قرأتُ دراسات عن فكر ابن خلدون لاتؤيد ماذهب إليه البروفيسور حسن مكّي بدليل أن كثيراً من تفاصيل نظريّات هؤلاء الفلاسفة مأخوذة من فكر ابن خلدون ،ومن يقرأ مقدِّمة ابن خلدون بتحقيق الدكتور علي عبدالواحد وافي يجد ذلك ،ففي المجلّد الأول من تحقيقه يصدّر الدكتور وافي بسيرة وافية لابن خَلدون صحّح فيها مذهب ابن خلدون التأسيسيّ ودحض فيه ماذهب إليه بعض الباحثين المعاصرين في نقدهم ابن خلدون ،وأذكر قبل سنوات أقامت جامعة الخرطوم مؤتمرا علميا في مرور الذِّكرى الخمسمائة على رحيل الإمام الغزالي وفيه ورقة قارنت بين الغزالي وابن خَلدون]
5️⃣
الحلقة الثانية:
ماذا نعني بالدولة الحديثة؟:
▪الدولة الحديثة هي التي قامت على ركائز الفكر السياسي الإنساني والتي تدّعي أنّها تحقق مقوّمات الحكم الراشد وحقوق الإنسان ،ومن سمات هذه الدولة :
-البناء المؤسَّس واقتسام السلطات مابين التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة ،والتبادُل السلمي للسلطة ،وإنِ اختلفت الترتيبات،فهناك دُوَل حديثة ،مازالت تعتمد المِلكيّة مع تقلُّص دَوْر المَلِك إلى رمزٍ مِن حاكم – حال بريطانيا والسويد وأسبانيا وهولندا..إلخ- بينما دول أخرى كأمريكا فإنّ الذي يمثّل الاستمرارية هو الكونجرس”مجلس النُوّاب” والشيوخ، ولاتكاد رئاسة الدّولة تتجاوز صلاحيّاتها في الدّفاع والسياسة الخارجيّة والمالية الفدرالية.
▪وتعود -نِسبِيًّا جذور الدولة الحديثة إلى صُلح وستفاليا 1648-Peace of Westphalia أوّل اتّفاق دبلوماسيّ يُرسي مبدأ سيادة الدُّوَل وفصل سلطة الكنيسة عن الدّولة والتمهيد لقيام الدّولة الأمّة Nation state، ومع ذلك فإنّ استبداد البابوات والكنيسة ذهب في بعض الحالات إلى الملوك ورؤساء الحكومات ،كما ظهر في حركة الاستعمار وملوك الاستبداد كنابليون فرنسا، أو ليبولد بلجيكا، حتى ظهور النازيّة على يد هتلر ودويلة البروليتاريا على يد لينين واستالين ،والفاشست على يد موسوليني مما أدّى إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية،وكان أساسها كيفية اقتسام تركة الرّجل المريض،كناية عن اقتسام أملاك الدولة العثمانية ،والتي انتهت نتائجها في الحرب الأولى ،بأيلولة ممتلكات الدولة العثمانية للحلفاء المنتصرين في الحرب وإلغاء الخلافة العثمانيّة وقيام دولة تركيا حديثةً على مبدأ الدولة الأمة.
▪ومِن إشكالات الفكر الإسلامي أنه تُفصل فيه ممارسة المسلمين التاريخية وتجاربهم السياسية عن النَصّ ،وكأنَّما الممارسة الإسلاميّة التاريخيّة في قطيعة مع النَّصِّ وليس استلهاماً للنّص،ويبدو أنّ التعلّق بالحدث التاريخي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة ،حجَب مغزى البناء على الحدث وتطوير هذا البناء،فمثلاً فترة المدينة المنوّرة كانت حافلة بمجالات تطبيق الشورى ،سواء في سلوك النبي صلّى الله عليه وسلّم أو أحاديثه أو تفاهماته مع أصحابه في الغزوات والحروب،كما حدث في بدر والماء ،وأُحُد، والخروج أو البقاء في المدينة والحديبية والتنازلات والتسوية ومافيها من مرونة،إلاّ إنّ هذه التطبيقات متفرِّقة أو مجتمعة لاتفيد فكرةَ الدّولة الحديثة التي تقوم على العقد الاجتماعي
(الدستوريّة ) والمساواة بين كلّ أهل الدولة مسلمين وغير مسلمين(المُوَاطَنَة) ووحدة التراب وليست الأخوّة العقائديّة، والفصل بين السُّلطات(تنفيذيّة وتسريعيّة وقضائيّة)، والعدالة والحُرِّيات(…إلخ)ممّا لم يُوجَد في التجربة التاريخيّة المنسوبة للمسلمين، كما أنّ الجزئيات المُنتَزَعة من هُنا وهناك لم يتمّ البناء عليها لتأسيس فكرة الدّولة، وأنّ الفكر الإسلاميّ التاريخي اجتهد في تأصيل دور وصلاحيات الحاكم أو الأمير-الخليفة
،السلطان،وإهمال الحكومة أو الإمارة أو دولة الخلافة أو السلطنة ،ومن هنا تبرز مأزوميّة الفكر السياسيّ مع الأفكار الجديدة كالدِّيمقراطية والاشتراكية والتعدُّديّة السياسية والحريات[هذا الكلام فيه نظر؛ فلا التنظير ولا الأنموذج التاريخيّ العملي أهملا الحكومة فقد كانت دولة الأندلس – مثلا- أنموذجا فريدا في نظام الحكومة وظلّت على ذلك تسعة قرون حتى نشبت فتنة ملوك الطوائف وتقسّمت الأندلس إلى أندلسات كثيرة ليسهل على الفرنجة من بعد اقتلاعُها من أيدي المسلمين،أيضا كانت تجارب السلطنات والدُّول الإسلاميّة كالفور ودولة الفونج والمهدية في السودان أنموذجا فريدا في تماسك الحكومة ،وفي ذلك من الدّراسات والكُتب كثير مثل الكتب التي تدرس المهدية ].
6️⃣
في الحلقة الثالثة الأخيرة من حلقات هذه الورقة بحثَ البروفيسور الكاتب حسن مكي في عنوانين أحدهما :
▪ الإسلاميُّون ومطلوباتُ الحريَّة والحداثة وفيه يشير إلى أنّه حتى الدُّوَل الديمقراطية كانت تمارِس العنف والترويع ،وأشار إلى ماكميلان رئيس وزراء بريطانيا السابق صاحب المصطلح Wind of the Change رياح التغيير،وأنّ النُّظم السياسيّة وَرَثت العنف السياسي وتصفية الخصوم من الاستعمار وأوربّا والغرب وضرب مثلا بهيروشيما ونجازاكي وأفغانستان والعراق.
▪مُحَدِّدات الدولة الإسلامية:
وفي هذا العنوان تساءل الكاتب :هل مقصود الدعوة الإسلامية إقامة الدولة بحيث يكون رئيسها مسلما ؟وأن تكون طبيعة النظام السياسي دينيّة وعلوّ الشريعة قصدا وحكما واحدا ،وتصبح القاعدة هي الأمة أو دار الإسلام في إطار حاكمية الله المطلقة التي تتجلّى في تطبيق الشريعة وفهمها؟
وذكر أن من أكبر التحدِّيات التي تحتاج الاجتهاد في فقه المعاملات المسألة الاقتصاديّة وفوائد البنوك والتعامل مع الاقتصاد العالميّ وهي قضايا تحتاج لبُعد النّظر وإكمال العقل وَفق مقاصد الشريعة الإسلامية.
7️⃣
وختم البروفيسور حسن مكّي بقوله إن الموازنة بين امتصاص الضربات والدفاع عن النفس من أكبر القضايا التي تواجه العقل المسلم ،في وقت يسعى الإعلام العالميّ لتكريس الهيمنة وتصوير المقاومة والدفاع عن النفس كعمل همَجيّ لايليق بالإنسانية حتى أصبح مصطلح “إرهاب” مصطلحا بدون تعريف، وهو مضلّل ومعبّأ بالتوظيف النفسيّ والسياسيّ والاجتماعيّ، ويُستخدم لإضعاف روح الجهاد والمقاومة.
8️⃣
كان هذا الاختيار لهذه الورقة العلمية لاعتبارات منها :
-المعالجة الأكاديمية والاستقصاء المتميّز بالتركيز بمنهجية عالية.
-أننا أحببنا التنويع في تناول الموضوعات الواقعيّة التي تشكّل هاجسا في الدراسات الإسلامية.
-أن البروفيسور حسن مكي هو نفسه ممّن تعرّضوا للإرهاب الإداري والتصنيف ،فلا تزال الذاكرة السياسية السودانية تختزن ذلك البيان الذي أصدرته هيئات حكوميّة”هيئة العقيدة والدعوة” منتصف التسعينيات تتهمه بالتشيّع وقد نُشر هذا البيان في الصحف السودانية، وتعرّض بعده لإقصاء ،ولا يخلو صاحب فكر وقلم في عالمنا الإسلامي من مثل هذا العنت السياسي المريض ،وفي الدراسة بعض الإيماءات المحسوسة التي تشير إلى ذلك.
-أن الدراسة مستوعبة وتثير كثيرا من التساؤلات وتفتح أبوابا للنقاش والرُّدود، وهو ما فعلناه أثناء عرض الورقة وحصرناه بين المعكوفين[…]
-يرجو الكاتب أن تكون هذه الورقة بداية جادّة لحوارٍ علميٍّ في هذا المجال.
*أبوذر أحمد محمّد*
Thu.14.5.2026م
___________
*للانضمام لـ (مُهرة 1)*
https://chat.whatsapp.com/I1BmnbNrRP2EdeGsDoQXn6?mode=gi_t




