من خنادق الحرب إلى هامش السلطة: كيف يُعاد إنتاج إقصاء أبناء دارفور في كل مرحلة سياسية؟

*من خنادق الحرب إلى هامش السلطة: كيف يُعاد إنتاج إقصاء أبناء دارفور في كل مرحلة سياسية؟*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
تُظهر التصريحات الأخيرة
لوزير المالية د .جبريل إبراهيم بشأن التمسك بـ اتفاق جوبا للسلام، والتلويح بإمكانية العودة إلى الحرب في حال المساس به، حجم التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة السياسية السودانية، حيث لم تعد الاتفاقات تُقدَّم باعتبارها مشروعاً وطنياً لإنهاء جذور النزاع، بل تحولت في نظر كثيرين إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ داخل السلطة.
في السودان، ظل أبناء الهامش، وعلى رأسهم أبناء دارفور، يدفعون أثمان الحروب والصراعات السياسية لعقود طويلة، سواء تحت شعارات التهميش أو باسم حماية الدولة. لكن المأساة الأكبر لم تكن فقط في الحرب نفسها، بل في إعادة تدوير ذات البنية السياسية التي صنعت الأزمة منذ البداية. فالكثير من الحركات المسلحة التي خرجت في الأصل احتجاجاً على الإقصاء، وجدت نفسها لاحقاً جزءاً من ذات المنظومة التي كانت تنتقدها، دون أن يتغير واقع المواطن البسيط في المعسكرات أو مناطق النزوح أو اللجوء.
حيث أن “دولة 56”، التي تتحكم في مصير الشعب السوداني لم تُجرِ مراجعة حقيقية لفكرة المواطنة المتساوية، وإنما استمرت في إدارة البلاد بعقلية التحالفات المؤقتة واستخدام القوى المسلحة بحسب الحاجة السياسية والعسكرية. وعندما تنتهي الأدوار المطلوبة، تبدأ مراحل التهميش الجديدة بصورة مختلفة. هذه الحلقة المتكررة من التهميش أثبتت أن التحالفات العسكرية والسياسية القائمة على الضرورة لا تُنتج مشروعاً وطنياً مستداماً. ففي كل مرة يُعاد فيها تشكيل السلطة، يُعاد معها إنتاج الشكوك والانقسامات، بينما يبقى المواطن العادي هو الخاسر الأكبر. فالشباب الذين حملوا السلاح تحت شعارات العدالة والمساواة، والنازحون الذين حلموا بالعودة الآمنة إلى قراهم، وجد كثير منهم أنفسهم أمام واقع لا يزال يعاني من الفقر، وانعدام الأمن، وضعف الخدمات، واستمرار النظرة الإقصائية تجاه الهامش.
كما أن الخطاب السياسي القائم على التخوين والتخويف المتبادل عمّق الفجوة بين مكونات المجتمع السوداني، بدل أن يفتح الباب أمام مصالحة حقيقية تعترف بالأخطاء التاريخية وتعالج جذور الأزمة. فالسودان لا يمكن أن يُبنى على منطق المنتصر والمهزوم، ولا على استغلال المظالم التاريخية للوصول إلى السلطة فقط، ثم إعادة إنتاج نفس السياسات القديمة.
إن القضية اليوم لم تعد مجرد خلاف حول اتفاق سياسي أو توزيع مناصب، بل أصبحت سؤالاً أكبر يتعلق بشكل الدولة نفسها: هل يمكن للسودان أن يتحول إلى وطن يتساوى فيه الجميع دون تمييز جهوي أو عرقي أو سياسي؟ أم أن دورة التحالفات المؤقتة والإقصاء ستظل تتكرر جيلاً بعد جيل؟
أبناء دارفور وغيرهم من أبناء الهامش لا يحتاجون فقط إلى اتفاقات تُوقَّع في العواصم، بل إلى مشروع وطني حقيقي يعترف بهم كمكوّن أصيل من هذا الوطن، لا كأدوات تُستخدم في أوقات الحرب ثم تُهمَّش عند تغير الموازين السياسية.
*مريم علي*
22 مايو 2026




