اعمدة مهرة

لماذا… فَصَدتَ كبد الفرحة فينا ؟

*لماذا… فَصَدتَ كبد الفرحة فينا ؟*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

(رجعنالك ) ! واحدة من تلك الروائع التي كلما مرّ الزمن عليها ازدادت دفئاً ورسوخاً في القلب السوداني، لأنها ليست مجرد أغنية عاطفية، بل مرثية شوق، واعتراف حب، وعودة روح إلى موطنها الأول،

هنا كتب الأستاذ عبدالباسط سبدرات نصاً غنائياً يفيض بالحنين كما يفيض النيل في موسم الخصب، وامتطى قلمه بحسّ شاعر يعرف كيف يحوّل الفقد إلى صورة، والوجع إلى موسيقى داخل الكلمات نفسها

النص هنا لا يسير على خط شعوري واحد، بل يتحرك بين الحنين والحزن والعتاب والرجاء، كأن الشاعر يعبر حقول الذاكرة حافياً على جمر الاشتياق ، منذ المطلع: (رجعنالك… وجينا غفرنا إنك بالوشاية فصدّت كبد الفرحة فينا) ، نجد أن الشاعر لا يبدأ بالغضب، بل بالتسامح، هذه واحدة من أجمل سمات المدرسة الغنائية السودانية الكلاسيكية، مدرسة تقوم على النبل العاطفي، حيث يكون الحب أكبر من الجراح. عبارة (كبد الفرحة) وحدها تحمل كثافة بلاغية مدهشة، فالفرح هنا هو كائن حي له كبد يُصاب ويُوجع

سبدرات كتب النص بروح المدرسة الوجدانية التي تمزج بين الريف السوداني والرمز الإنساني، لذلك جاءت مفرداته مشبعة بالبيئة السودانية: النيل، القماري، الجرف، الحنة، الجرتق، الصندل، شتلات القمح… ، هي مفردات ليست للزينة اللغوية، بل لبناء وطن شعوري كامل داخل الأغنية ، في قوله: (كيف نرفض رجوع القمرة لوطن القماري) ، يبلغ النص ذروة البلاغة الشعرية، فالمحبوبة لم تعد امرأة فقط، بل أصبحت قمرا ، أي كائناً من نور، وعودتها ليست رجوع شخص، بل عودة الروح إلى سربها الطبيعي، ثم تأتي صورة: (وإنت واحش نيل وطنا علينا شمّتة الصحارى)!

وهنا العبقرية الحقيقية، فغيابها جعل الصحارى تشمت في النيل، وكأن الجفاف انتصر مؤقتاً على الخصب ، إنها صورة شعرية سودانية خالصة، لا يمكن أن تولد إلا من شاعر يعرف قيمة النيل في الوجدان السوداني

أما موسيقار الأجيال بشير عباس فقد صاغ اللحن كما يُصاغ عقد من الضوء، لم يتعامل مع الكلمات كجمل تُغنّى، بل كحالات شعورية تحتاج إلى ترجمة موسيقية دقيقة، اللحن يتحرك بهدوء في البداية، كخطوات شخص عاد بعد غياب طويل، ثم يبدأ في التمدد العاطفي مع تصاعد الصور الشعرية

لازمات بشير عباس في هذه الأغنية ليست مجرد فواصل موسيقية، بل مساحات تنفّس للحنين ، هناك نبرات كمان تبدو وكأنها تبكي في الخلفية، وإيقاع يحتفظ برصانة الأغنية السودانية القديمة دون أن يفقد دفء الطرب ، كان يعرف متى يترك المساحة للصوت، ومتى يجعل الموسيقى نفسها تتحدث

ثم تأتي المعجزة الكبرى: البلابل.

أصوات البلابل في (رجعنالك) حالة من التحليق الجماعي، ذلك التناغم الأنثوي الساحر جعل الأغنية تبدو كأنها تُغنّى من قلب بيت سوداني قديم تفوح منه رائحة الصندل والبخور، كل طبقة صوتية كانت تضيف لوناً مختلفاً للمعنى، مرةً حناناً، ومرةً لوعة، ومرةً فرحاً خجولاً بعودة الغائب،

البلابل امتلكن قدرة نادرة على تحويل الكلمة إلى إحساس ملموس. عندما يقلن: (رجعنالك عشان يسكت جرحنا)

تشعر أن الجرح نفسه كان يستمع وينتظر، أما في: (يفرح الليل بفرح صندل يفوح يكسي القبيلة)

فالصوت يتحول إلى احتفال سوداني كامل؛ ترى الجرتق، وتشم الصندل، وتسمع زغاريد النسوة في ليالي الفرح

إني من منصتي استمع … حيث أحس…. أن هذه الأغنية تلامس الحنين للأهل، وللديار، ولزمن الطيبة، وللعلاقات التي كانت تُبنى بالمحبة لا بالضجيج، ولذلك بقيت (رجعنالك) حيّة في وجدان الناس، لأن السوداني حين يسمعها لا يستمع فقط إلى أغنية… بل يعود معها إلى شيء فقده في داخله،

إنها واحدة من تلك الأعمال التي تؤكد أن الفن السوداني، حين يلتقي فيه شاعر يكتب بالروح، وملحن يفهم نبض الكلمة، وأصوات تحمل صفاء النيل… يولد الخلود.

*ياسر الفادني*

 

زر الذهاب إلى الأعلى