العيد… بين دفءِ الذكريات وواقِع الأيام
*العيد… بين دفءِ الذكريات وواقِع الأيام*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
يأتي العيد كلَّ عامٍ كما لو أنّه بابٌ يُفتح دفعةً واحدة على الذاكرة.
فلا يدخل وحده؛ بل تصحبه وجوهٌ قديمة، وأصواتٌ بعيدة، وروائح قهوةٍ كانت تُعدُّ في بيوتٍ ازدحمت يومًا بالفرح ثم فرّقتها الحياة.
العيد ليس مناسبةً عابرة في التقويم، بل حالة شعورية كاملة، تختلط فيها البهجة بالحنين، ويقف فيها الإنسان بين ما كان… وما آل إليه الحال.
في الطفولة كان العيد بسيطًا وعظيمًا في آنٍ واحد.
ثوبٌ جديد، ويدٌ تمتلئ بالعِيدية، وفرحةٌ لا تحتاج إلى تفسير.
كانت البيوت أكثر دفئًا، والقلوب أكثر قربًا، والضحكات تخرج بعفوية لا يفسدها التفكير ولا تثقلها هموم الحياة.
كنا نرى العيد بعينٍ بيضاء لا تعرف الفقد، ولا تدرك أن الأيام قادرة على تغيير ملامح الأشياء والبشر معًا.
ثم يكبر الإنسان، فيكتشف أن العيد لم يتغيّر كثيرًا… بل نحن الذين تغيّرنا.
فبعض المقاعد التي كانت عامرة أصبحت فارغة، وبعض الأبواب التي اعتادت استقبال الأحبة أغلقتها الغربة أو الرحيل الأبدي.
حتى الصور القديمة صارت تؤلم أحيانًا أكثر مما تُفرح، لأنها تذكّرنا بأن الزمن لا يستأذن أحدًا حين يمضي.
ومع ذلك، يبقى للعيد سرٌّ لا ينطفئ.
فهو يعلّم الناس ـ رغم تعب الحياة ـ أن الفرح عبادة، وأن صلة الرحم جبرٌ خفيّ، وأن التراحم بين الناس أعظم من كل مظاهر الترف والاحتفال.
ليس العيد في كثرة المظاهر، بل في قدرة الإنسان على أن يبقى نقيّ القلب، حاضر الودّ، ممتنًا لما بقي له من نعم، ولو كانت قليلة.
وفي واقعٍ أصبحت فيه الحياة أسرع وأثقل، صار كثيرون يحتفلون بأجسادهم بينما أرواحهم مرهقة.
تزدحم الأسواق، وتتلألأ الواجهات، لكن شيئًا ما في الداخل يفتقد ذلك الصفاء القديم.
فالناس اليوم يبحثون عن “معنى العيد” أكثر من بحثهم عن تفاصيله؛ يبحثون عن دفء العلاقات، وعن صوتٍ صادق، وعن اجتماعٍ يخلو من التكلّف والضجيج.
لذلك يبقى أجمل ما في العيد أنه يمنح القلوب فرصةً للمراجعة والمصالحة؛
مصالحة النفس مع أقدارها، ومصالحة الناس مع بعضهم، ومصالحة الإنسان مع عمره الذي مضى سريعًا.
فالعيد الحقيقي ليس يومًا تُعلّق فيه الزينة فقط، بل يومٌ يخفّ فيه ثقل القلوب، وتعود فيه الرحمة إلى العلاقات، ويشعر الإنسان أن للحياة ـ رغم كل شيء ـ وجهًا يستحق الابتسام.
وهكذا يظل العيد بين الذكريات وواقع الحال…
جسرًا دافئًا يصل الماضي بالحاضر، ويذكّرنا بأن أجمل ما يبقى في الحياة ليس الأشياء، بل الأثر الطيب، والقلوب التي مرّت بنا بلطف، والدعوات الصادقة التي تضيء العمر مهما تغيّرت الأيام.
*…ابويامن….*



