جديد مهرة

سقوط رهانات الحرب العقدة الحقيقية: من يحكم بعد المعركة

*سقوط رهانات الحرب العقدة الحقيقية: من يحكم بعد المعركة؟*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

١. في ظل إرهاق الملفات الدولية المفتوحة، بدأت قدرة القوى الكبرى على تحمل كلفة الانخراط في الملفات التي لا تُعد أولوية مباشرة، مقارنة بتحديات أكثر تعقيدًا ترتبط بأوضاعها الداخلية وصراعاتها الكبرى، لذلك لم تجد خطوة إقحام إثيوبيا في الملف السوداني سندًا غربيًا حقيقيًا.

٢. الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطًا متزايدة بعد التعقيدات التي صاحبت الملف الإيراني، وضعف النتائج السياسية للزيارة الأمريكية الأخيرة إلى الصين، إضافة إلى اقتراب استحقاقات داخلية تجعل واشنطن أكثر حساسية تجاه الملفات المثيرة للجدل.

٣. وفي السياق نفسه، تواجه إسرائيل حالة من القلق المركب؛ فتعثر المسار المرتبط بالملف الإيراني، وتراجع مستويات التأييد الشعبي داخل الولايات المتحدة، جعلا تل أبيب أكثر حذرًا من توسيع نطاق الأزمات في وقت واحد.

٤. أما أوروبا، فإن انشغالها المتزايد بتعقيدات حلف الناتو، وسد النقص العسكري والبشري، وتصاعد التهديد الروسي، جعل اهتمامها بالملفات الخارجية يتراجع بصورة واضحة.

٥. خليجيًا، تبدو بعض العواصم، خاصة الرياض، أقل ارتياحًا لتحول السودان إلى ساحة استنزاف طويلة، بسبب المخاوف من تعقيد المصالح الاقتصادية والأمنية المرتبطة بالمنطقة.

٦. وبهذا أصبح الملف السوداني بالنسبة للغرب عمومًا ملفًا مزعجًا، لكنه ليس أولوية تسمح بإعادة هندسة شاملة للمنطقة أو بخوض مغامرات جديدة عالية الكلفة.

٧. الخطط التي بُنيت عليها الحرب بدأت تتغير؛ غير أن فشل القوى الدولية في إنتاج تسوية قابلة للحياة لا يعني أن الأهداف قد تغيرت.

٨. ومن هنا يمكن فهم التسريبات المتعلقة بقنوات تواصل غير معلنة، يُقال إنها جرت في البحرين وسلطنة عمان، باعتبارها محاولة لفتح قنوات جديدة لتحقيق ما فشلت فيه الوسائل السابقة، بعد أن تجاوزت كلفة استمرار الحرب المكاسب المتوقعة.

٩. ولهذا فإن اللقاءات والتحركات الأخيرة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد اتصالات تكتيكية عابرة، بل مؤشرًا على بداية مراجعة أكبر لطريقة إدارة الملف السوداني إقليميًا ودوليًا.

١٠. اللافت في التسريبات المتداولة أن النقاشات الجديدة لم تعد تركز على إعادة إنتاج المشهد السياسي السابق.

١١. وهذا التحول يحمل دلالات مهمة، لأنه يعني أن بعض القوى الإقليمية ربما وصلت إلى قناعة بأن مشروع التمرد لم يعد قابلًا للحياة السياسية أو العسكرية.

١٢. وأن الجماعات السياسية المرتبطة به أصبحت قدرتها على التأثير الداخلي ضعيفة، وعاجزة عن تقديم نفسها كخيار مقبول لإدارة الدولة السودانية.

١٣. غير أن البحث عن مخرج تفاوضي جديد، أو تجاوز المليشيا ومن يقف وراءها داخليًا وخارجيًا، لا يعني بالضرورة تغيّر الأهداف التي عملت عليها المشاريع السابقة.

١٤. فالأزمة لم تتوقف عند سقوط رهانات الحرب، فالقوى الدولية والإقليمية، رغم أنها لم تنجح حتى الآن في إنتاج بديل يملك الشعبية أو التنظيم أو الامتداد المجتمعي القادر على إدارة السودان واستقراره، غير أنها لن تتوقف في مساعيها.

١٥. المشكلة الحقيقية لا تبدو مرتبطة بالمنصة أو الوسيط، بقدر ما ترتبط بغياب اتفاق واضح حول من يحكم السودان بعد الحرب.

١٦. وهنا تبدأ العقدة الحقيقية للأزمة؛ فالكثير من القوى الإقليمية والدولية لا ترغب في عودة الإسلاميين إلى واجهة الحكم بصورة رسمية، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن التيار الإسلامي ما يزال حاضرًا داخل البنية الاجتماعية وشبكات التأثير والتعبئة.

١٧. ولذلك أصبح المشهد السوداني شديد التعقيد؛ فالجميع يريد إبعاد الإسلاميين، لكن كثيرًا من أدوات المشهد الحالية ترتبط بهم أو ببيئتهم الاجتماعية والسياسية، وهو ما جعل كل الصيغ الانتقالية المطروحة حتى الآن عاجزة عن إنتاج تسوية مستقرة.

١٨. ومن هنا تتحرك العواصم للمراجعة والبحث عن المخارج بين الاحتواء، والتفاوض، وإعادة التموضع.

١٩. لا شك أن القيادة السياسية تدرك أن الحرب العسكرية اقتربت من نهاياتها، غير أن الانتصار العسكري لا يعني نهاية الأزمة، ما دامت الحرب السياسية بلا صيغة نهائية متفق عليها، وعليها أن تحذر من الوقوع في فخ البديل المطروح.

٢٠. فترتيب المشهد السياسي بعد الحرب لا يقل خطورة عن الحرب نفسها، لأن اختلال التوازن السياسي الداخلي كان أحد الأسباب الرئيسية التي قادت إلى ما جرى.

٢١. لذلك بات من الضروري التحسب للصراع حول شكل السلطة وهوية الحكم، وهي مرحلة باتت مؤشراتها غير خافية، بل وصلت إلى مستوى القلق السياسي الحقيقي.

٢٢. ولذلك فإن أي فشل في معالجة الاختلالات السياسية وبناء صيغة وطنية مستقرة، سيمنح القوى الخارجية فرصة جديدة للعودة إلى التأثير عبر الثغرات الداخلية.

تحياتي

*الفاتح الشيخ*

١٧ مايو ٢٠٢٦=

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى