اعمدة مهرة

ستات الشاي.. الثغرة التي لا يجوز أن نغفل عنها

*ستات الشاي.. الثغرة التي لا يجوز أن نغفل عنها*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

عندما دعا رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان والي الخرطوم إلى عدم التضييق على «ستات الشاي» والمقاهي، وأن تعود الحياة إلى العاصمة، فإن أصل الفكرة مفهوم؛ فالخرطوم لا يمكن أن تستعيد عافيتها من دون أن تستعيد أسواقها ومقاهيها ومطاعمها وحركتها الاقتصادية، ولا يمكن أن يعيش الناس في مدينة مغلقة بحجة الخوف من كل شيء.

لكن بين أن تعود الحياة إلى الخرطوم، وبين أن تعود معها الفوضى التي سبقت الحرب، مسافة يجب ألا نغفل عنها.

وأقولها هنا بوضوح، ومن غير تجميل ولا مجاملة: الأمن لا ينبغي أن يكون ضريبة ندفعها مقابل عودة الحياة.

وليس المقصود بهذا الحديث ستات الشاي وحدهن، ولا يجوز أصلاً وضع جميع النساء العاملات في هذه المهنة في سلة واحدة. هناك نساء شريفات وجدن في بيع الشاي وسيلة لكسب الرزق وإعالة أسرهن، وعملن في ظروف قاسية، ولا ذنب لهن في جرائم ارتكبها آخرون. لكن الحرب علّمتنا درساً بالغ القسوة: المهن الهامشية، حين تعمل بلا تنظيم ولا هوية ولا رقابة، يمكن أن تتحول من نشاط اقتصادي بسيط إلى منافذ تستغلها الجريمة أو شبكات التجسس أو المخدرات أو الاتجار غير المشروع.

وهنا ينبغي أن نتوقف.

فقد كشفت الحرب أن المعلومات كانت واحدة من أخطر الأسلحة التي امتلكتها المليشيا. لم تكن المعلومات كلها تأتي من مصادر عسكرية أو أجهزة متخصصة؛ بل إن البيئة الاجتماعية نفسها تحولت في بعض الحالات إلى شبكة واسعة للرصد والاستطلاع ونقل التفاصيل. من يسكن هنا؟ من غادر؟ متى تتحرك عربة الضابط؟ أين يسكن هذا المسؤول؟ من عاد إلى الحي؟ وأي طريق تسلكه القوات؟

هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو بلا قيمة لمن يسمعها منفردة، يمكن أن تتحول حين تتراكم إلى قاعدة معلومات خطرة.

وقد ظهرت خلال الحرب نماذج موثقة لأشخاص من بيئات مدنية مختلفة تعاونوا مع المليشيا، ولا يصح أن نحول هذه الوقائع إلى اتهام جماعي لمهنة أو جنس أو منطقة. لكن الخطأ الأكبر سيكون أن نعرف أن الاختراق حدث، ثم نعيد إنتاج الظروف نفسها التي سمحت به، وكأن الحرب لم تعلمنا شيئاً.

ولعل المثال الذي تداولته وسائل الإعلام على نطاق واسع عن «أحلام بتاعت الكولا» يكشف جانباً من المشهد الذي عاشته الخرطوم في أيام سيطرة المليشيا؛ فقد ظهرت في تسجيلات دعائية للمليشيا وهي تتحدث عن حسن معاملتها لها وما قدمته لها. المهم هنا ليس الشخص في ذاته، ولا إصدار حكم قضائي من خلال مقطع إعلامي، وإنما الدرس الأمني الذي ينبغي استخلاصه: المليشيات لا تبحث فقط عن المقاتل؛ إنها تبحث عن البيئة التي تمنحها المعلومات والتطبيع الاجتماعي والغطاء والقدرة على الحركة.

وهذا هو بيت القصيد.

فالمرأة التي تبيع الشاي ليست خطراً لأنها تبيع الشاي، والرجل الذي يبيع السجائر أو الماء في الشارع ليس خطراً لأنه بائع متجول. الخطر يبدأ عندما يصبح النشاط بلا هوية، وبلا مكان معلوم، وبلا ترخيص، وبلا مسؤولية، وبلا قدرة للدولة على معرفة من يعمل وأين يعمل وماذا يمارس فعلياً.

وهذه ليست فكرة سودانية غريبة.

منظمة العمل الدولية نفسها تتعامل مع الاقتصاد غير الرسمي باعتباره مجالاً يحتاج إلى الانتقال التدريجي إلى التنظيم والرسمنة، مع الاعتراف بحق العاملين فيه في كسب الرزق. كما تؤكد أن تنظيم الباعة الجائلين يحتاج إلى موازنة بين حقهم في العمل وحق المجتمع في استخدام الفضاء العام، وأن الحلول تختلف بحسب ظروف كل مدينة.

وفي نيروبي، على سبيل المثال، لا يكفي أن يقول الإنسان إنه يريد بيع الطعام في الشارع؛ فهناك تصاريح، ومتطلبات صحية، وإمكانية تفتيش، ولا يجوز ممارسة تجارة الطعام دون الترخيص المناسب.

وفي بانكوك، تضع البلدية معايير لاختيار مواقع البيع تشمل عرض الأرصفة، وحجم الأكشاك، والمسافة من التقاطعات والمداخل وممرات المشاة، والسلامة والنظافة والصحة العامة، بل وتبحث في إنشاء مراكز مخصصة للباعة.

أما سنغافورة، فقد ذهبت أبعد من ذلك في تحويل تجارة الشارع إلى جزء من منظومة حضرية منظمة؛ فهناك مراكز مخصصة للباعة، وإدارة حكومية للتراخيص والإيجارات والنظافة والصحة العامة، بل وتسجيل للعاملين المساعدين في الأكشاك.

إذن، المسألة ليست: هل نسمح لستات الشاي أم نمنعهن؟

هذا سؤال فقير.

السؤال الصحيح هو: كيف نسمح لهن بالعمل دون أن نسمح للفوضى بالعمل من خلالهن؟

وهنا أرى أن على ولاية الخرطوم، والمحليات، والأجهزة المختصة، أن تضع منظومة واضحة قبل فتح الباب على مصراعيه لعودة النشاط غير المنظم.

لا بد أن تكون هناك رخصة مهنية واضحة لبائعة الشاي، مرتبطة ببياناتها الشخصية ومكان عملها المحدد. لا بد أن يكون لكل موقع رقم وترخيص، وأن يكون هناك سجل للمشغلين والعاملين فيه. لا بد من اشتراطات صحية ونظافة وسلامة، وساعات عمل معروفة، ومواقع محددة، ومنع إقامة النشاط في النقاط الحساسة أو أمام المنشآت الحكومية والعسكرية والأمنية أو في الممرات ومخارج الطوارئ.

ولا أرى غضاضة في أن يكون هناك تدقيق أمني مناسب لطبيعة المرحلة قبل منح الترخيص، على أن يكون تدقيقاً قانونياً ومهنياً لا مطاردة عشوائية للناس، وأن يستند إلى معلومات موثوقة وإجراءات واضحة، لا إلى الشائعات أو الانتماءات أو النظرات الشخصية.

ومن ثبت تورطه في جريمة أو تعاون مع جماعة مسلحة أو نشاط إجرامي، فهذه قضية أخرى تتولاها الجهات المختصة وفق القانون، ولا ينبغي أن تختلط بمهنة بيع الشاي نفسها.

والأهم من ذلك أن الدولة يجب ألا تكتفي بالترخيص ثم تنصرف.

الترخيص ليس ورقة تُعلق على الكشك، وإنما مسؤولية متبادلة بين الدولة وصاحب المهنة.

فكما تمنح الدولة حق العمل، من حقها أن تعرف أن هذا النشاط يمارس في مكان معلوم وبصورة معلومة، وأن تراقب الالتزام بالقواعد الصحية والقانونية، وأن تسحب الترخيص عند ثبوت المخالفة الجسيمة وفق إجراءات عادلة.

وهناك جانب آخر أكثر أهمية، وهو تحويل هذه البيئة من ثغرة إلى عين للدولة.

فبائعة الشاي بحكم وجودها اليومي في المكان تعرف حركة الحي أكثر من كثير من الموظفين الذين يمرون به ساعة أو ساعتين. لكن هذا لا يعني تحويلها إلى مخبرة أو إنشاء شبكة تجسس شعبية؛ فهذا طريق خطير. المطلوب هو إنشاء ثقافة إبلاغ مدني آمن، بحيث يعرف أصحاب المهن في الأماكن العامة إلى أين يتجهون إذا لاحظوا سلوكاً خطراً أو جسماً مشبوهاً أو نشاطاً إجرامياً، مع حماية المبلغ وعدم تعريضه للخطر.

وهنا يمكن للدولة أن تحول ملايين العيون المنتشرة في الأسواق والشوارع إلى عنصر مساعد في الأمن المجتمعي، بدلاً من أن تتركها مجالاً تستغله الشبكات المعادية.

لكنني أرفض تماماً أن تتحول هذه الرؤية إلى قاعدة تقوم على الشك في كل بائعة شاي.

الدولة التي تشك في شعبها كله لا تبني أمناً.

والدولة التي تثق في الجميع بلا ضوابط لا تبني أمناً أيضاً.

الأمن الحقيقي هو أن تعرف الدولة من يعمل، وأين يعمل، وماذا يعمل، وأن تكون قادرة على التدخل عندما تظهر مؤشرات الخطر.

ومن هنا أرى أن عودة «ستات الشاي» ينبغي ألا تكون عودة إلى الصورة القديمة نفسها.

لماذا لا تتحول هذه المهنة إلى جزء من المشهد الحضاري للخرطوم؟

أكشاك صغيرة، نظيفة، موحدة التصميم، تحمل أرقاماً واضحة، ومواقعها محددة ضمن مخطط المدينة، وتتوفر فيها المياه والنظافة ووسائل التخلص من النفايات، وتكون بعيدة عن المنشآت الحساسة ومداخل الطرق ومواقع الازدحام.

بدلاً من صفوف عشوائية من الكراسي والصاج والبراميل والظلال المؤقتة، يمكن أن تكون لدينا مئات الأكشاك الصغيرة التي تمنح المرأة مصدر رزق وتحفظ للمدينة مظهرها.

وهذا بالضبط ما فعلته مدن أخرى بدرجات مختلفة: لم تحارب البائع لأنها بائع، ولم تترك الشارع بلا ضابط؛ بل أدخلت النشاط في التخطيط الحضري، وحددت الأماكن، ونظمت التراخيص، وربطت العمل بالصحة والسلامة والنظافة.

بل إن تجربة سنغافورة تقدم درساً مهماً: النشاط الشعبي يمكن أن يصبح جزءاً من هوية المدينة نفسها، بشرط أن يكون منظماً ومُداراً ومراقباً.

وهذا ما نحتاجه في الخرطوم.

لا نريد خرطوماً بلا بشر.

ولا نريد خرطوماً بلا نظام.

ولا نريد أن تتحول محاربة الفوضى إلى محاربة الفقراء.

لكننا، في الوقت نفسه، لا نريد أن تتحول الرحمة إلى غفلة، ولا التسامح إلى ثغرة، ولا الحاجة الاقتصادية إلى ستار تتخفى خلفه الجريمة.

والأمر لا يتعلق بستات الشاي وحدهن.

الباعة الجائلون، عربات الأطعمة، الورش العشوائية، الأسواق المؤقتة، العمالة المتنقلة، الحراس، مواقف المواصلات، الأكشاك، وكل نشاط يتيح وجوداً بشرياً دائماً في الفضاء العام، يجب أن يدخل في منظومة تنظيمية واحدة.

الحرب لم تكن مجرد معركة دبابات وطائرات.

كانت أيضاً معركة معلومات.

ومن أخطر أخطائنا أن نتصور أن انتهاء المعركة العسكرية يعني انتهاء الحرب الأمنية.

المليشيا التي صنعت شبكات داخل المجتمع لن تختفي آثارها بمجرد استعادة الشوارع. وقواعد البيانات التي جُمعت، والعلاقات التي أُنشئت، والمعلومات التي تم تداولها، كلها تحتاج إلى يقظة أمنية طويلة النفس.

ولهذا فإنني لا أكتب ضد ستات الشاي، وإنما أكتب ضد الفوضى التي يمكن أن تختبئ خلف أي مهنة.

أكتب لأننا دفعنا ثمناً غالياً من الغفلة.

وأكتب لأن من حق المرأة التي تريد أن تكسب قوتها من عرق جبينها أن تجد دولة تحميها وتنظم عملها، لا دولة تطاردها.

ومن حق المواطن أيضاً أن يجد شارعاً آمناً ونظيفاً ومنظماً.

ومن حق العاصمة أن يكون لها وجه حضاري يليق بها.

ومن حق الأجهزة الأمنية أن تعرف طبيعة النشاط البشري في الأماكن الحساسة.

هذه الحقوق لا تتعارض.

بل يمكن أن تلتقي كلها في شيء واحد اسمه التنظيم.

ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى ولاية الخرطوم ليست: «لا تضايقوا ستات الشاي».

بل ينبغي أن تكون أكثر دقة:

لا تطردوهن من الحياة، ولكن لا تتركوا الحياة بلا ضوابط.

افتحوا لهن أبواب العمل، ولكن أغلقوا أبواب الاستغلال.

امنحوهن التراخيص، ولكن اربطوا الترخيص بالمسؤولية.

خصصوا لهن الأكشاك، ولكن اختاروا مواقعها بعناية.

احموا حقهن في الرزق، ولكن احموا العاصمة من الجريمة والفوضى.

راقبوا النشاط، لا النساء.

وعاقبوا المخالف، لا المهنة.

هذه هي المعادلة التي أراها عادلة وأمنية وحضارية في الوقت نفسه.

لقد دققت في كتابات سابقة ناقوس الخطر من الثغرات التي يمكن أن تنفذ منها المليشيا إلى مجتمعنا. واليوم أدقه مرة أخرى، لا رغبة في التخويف، ولا بحثاً عن خصومة مع أحد، وإنما لأن الجراح التي لم تُنظف جيداً تعود إلى الالتهاب.

لقد تعلمنا، وبدم غالٍ، أن الأمن لا يُبنى بحسن النية وحدها.

حتى لا نُلدغ من الجحر نفسه مرتين، علينا أن نعيد بناء الخرطوم بعينين مفتوحتين: عين ترى الإنسان وحقه في الحياة، وعين ترى الخطر قبل أن يكبر.

فالخرطوم تحتاج إلى أن تعود إليها الحياة، نعم.

لكنها تحتاج قبل ذلك إلى أن تعود إليها الدولة.

دولةٌ لا تمنع الناس من العمل، ولا تسمح للفوضى أن تعمل باسم الناس.

الأمن والوطن أولاً.

*لؤي اسماعيل مجذوب*

 

زر الذهاب إلى الأعلى