القوى السياسية المدنية ومستقبل العمل السياسي في السودان (1)

*القوى السياسية المدنية ومستقبل العمل السياسي في السودان (1)*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
هل توجد في السودان قوى سياسية مدنية منظمة وفاعلة تستطيع أن تقود مشروعاً وطنياً حقيقياً؟ وهل قدمت التجربة الحزبية السودانية منذ الاستقلال نموذجاً يمكن أن يحتذي به الشباب الراغبون في الانخراط في العمل السياسي؟
بكل أسف، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي.
فمن الصعب العثور على تجربة حزبية سودانية استطاعت أن تؤسس لممارسة ديمقراطية راسخة، سواء في الأحزاب التي ترفع شعارات أيديولوجية يميناً أو يساراً، أو في الأحزاب التي تصف نفسها بالليبرالية، بينما ظلت في واقع الأمر أسيرة الولاءات الطائفية أو الزعامات التاريخية التي يكاد الولاء لها يبلغ حد القداسة.
لقد جاءت الحرب الأخيرة لتكشف هشاشة التجربة السياسية السودانية منذ الاستقلال، ولتضع معظم الأحزاب أمام اختبار عسير. فأحزاب رفعت راية الديمقراطية لم تستطع في كثير من المحطات أن تحميها أو تلتزم بها، كما أن عدداً من القوى السياسية لم يتردد في تقاسم السلطة مع المؤسسة العسكرية عندما سنحت له الفرصة. وهكذا ظل الصراع على السلطة يتقدم على بناء الدولة، وبقيت المصالح الحزبية الضيقة تتغلب على المصلحة الوطنية.
ولا يختلف اثنان على أن المسار الديمقراطي المدني، بصورته التي مورست خلال العقود الماضية، لم يحقق تطلعات الشعب السوداني. فبعد كل ثورة كان السودانيون يخرجون أملاً في الحرية والعدالة والحياة الكريمة، لكنهم كانوا يصطدمون بالاستقطاب الحاد، وضعف المؤسسات، وعجز القوى السياسية عن إدارة خلافاتها بروح وطنية، لتعود البلاد إلى المربع الأول.
إن هذه النتيجة تفرض على الجميع مراجعة شاملة للتجربة السياسية، بعيداً عن تقديس الأشخاص أو الأحزاب، وبحث خيارات جديدة تستهدف ما يتطلع إليه غالبية السودانيين: دولة مستقرة، ومؤسسات قوية، وحياة كريمة، وعدالة، واستقرار سياسي واجتماعي في وطن موحد يتسع للجميع.
وفي المقال القادم، بإذن الله، نتناول ملامح المشروع السياسي الذي يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة، ويتجاوز أخطاء الماضي، ويضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.
*د. عبد الرؤوف قرناص*



