السودان اولا بين الشعار والواقع اليومي

*السودان اولا بين الشعار والواقع اليومي*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*

لا يكاد يختلف اثنان في السودان على ان عبارة “الوطن اولا” تمثل مبدأ جامعا لا خلاف عليه. فهي حاضرة في الخطاب العام ومتكررة في المناسبات وتستخدم بكثافة تعكس اتفاقا واسعا حول اهميتها. غير ان الاشكال لا يكمن في قبول الشعار بل في المسافة التي تفصل بين ترديده وتطبيقه في الواقع اليومي.
في التفاصيل الصغيرة حيث تصنع القرارات الحقيقية تتقدم احيانا انتماءات اخرى على حساب هذا المبدأ. فالقبيلة والجهة والحزب تتحول بهدوء الى مرجعيات اساسية في تحديد المواقف وتوزيع الفرص حتى يبدو وكأن الوطن قد اصبح اطارا نظريا اكثر منه معيارا عمليا.
هذه الظاهرة لا تعلن نفسها بشكل مباشر بل تظهر في ممارسات تبدو عادية ومألوفة. فاختيار الاشخاص وتقييم الكفاءات وتحديد الاولويات قد يتأثر بشكل او بآخر بعوامل الانتماء الضيق لا بمعايير الكفاءة او المصلحة العامة. وهنا تكمن المفارقة الجميع يتحدث عن العدالة لكن التطبيق يخضع احيانا لحسابات اخرى.
ولعل الجانب الاكثر تعقيدا في هذا المشهد هو ان هذه الممارسات تجد تبريرا ضمنيا باعتبارها جزءا من الواقع الاجتماعي. غير ان قبولها بهذا الشكل يعني عمليا اعادة انتاجها واستمرارها مما يضعف تدريجيا فكرة المواطنة المتساوية ويجعل الانتماء الوطني اقل تأثيرا في الحياة العامة.
وفي سياق متصل تتسلل اشكال من التصنيف الاجتماعي قد لا تكون صريحة لكنها حاضرة في الوعي الجمعي حيث ينظر الى بعض الافراد او المجموعات باعتبارهم اقرب او احق بينما يوضع اخرون في مواقع اقل بناء على خلفياتهم لا على قدراتهم. هذه الرؤية حتى وان لم تعلن تترك اثرا عميقا على تماسك المجتمع.
اما الخطاب الحزبي ففي بعض صوره لا يبتعد كثيرا عن هذا الاطار اذ يميل احيانا الى تعزيز الانتماءات الضيقة من خلال خطاب يقوم على التمايز لا التلاقي وعلى استقطاب الانصار بدل توسيع دائرة المشترك الوطني. وبهذا تتحول السياسة من اداة لادارة التنوع الى وسيلة لاعادة انتاج الانقسام.
ورغم ذلك لا يمكن القول ان هذه الحالة قدر لا يمكن تغييره. فالسودان بتاريخه وتنوعه يمتلك من المقومات ما يؤهله لبناء نموذج وطني اكثر توازنا غير ان هذا يتطلب اعادة النظر في ترتيب الاولويات بحيث يكون الوطن فعلا هو الاطار الاعلى الذي تنظم داخله كل الانتماءات الاخرى.
الوطنية في معناها العملي لا تعني الغاء القبيلة او الجهة او الحزب بل تعني وضعها في سياق يخدم المصلحة العامة لا يتعارض معها وتعني كذلك ان تكون معايير الكفاءة والعدالة هي الاساس في التقييم بعيدا عن اي اعتبارات اخرى.
وربما تكون الخطوة الاهم في هذا الاتجاه هي الانتقال من مستوى الشعار الى مستوى الممارسة فالوطن لا يحتاج الى تأكيد لفظي بقدر ما يحتاج الى سلوك يعكس هذا التأكيد ان يقدم في القرار وان يراعى في الاختيار وان يكون حاضرا في الضمير قبل ان يكون في الخطاب.
في النهاية تبقى الحقيقة بسيطة
الاوطان لا تبنى بما يقال عنها بل بما يفعل من اجلها
*د. الشاذلي عبد اللطيف*
___________
*(مُهرة) علي تلغرام*
https://t.me/muhranews

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس فقيرًا، بل مُعطَّل. ليس عاجزًا، بل مُقيَّد بسوء الإدارة وتراكم الأزمات. أراضيه الزراعية الممتدة، موارده المعدنية، موقعه الجغرافي، وثروته الحيوانية—allها كفيلة بأن تجعل من أي وديعة استثمارًا رابحًا لا مخاطرة فيه، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية واضحة. إنها دعوة صادقة لكل من يستطيع أن يسهم: للدول الشقيقة، للمؤسسات المالية، ولرؤوس الأموال الباحثة عن الفرص. وديعة لشعب السودان… وديعة تُعيد الأمل، لا تُعمّق التبعية. وديعة تُبنى على المصالح المشتركة، لا على الاستغلال. فالكل فيها رابح، إن صلحت النوايا، واستقامت الرؤية. والأيام دول… وقد علمتنا التجارب أن الشعوب، مهما طال ليلها، لا بد أن ترى فجرها. نسأل الله أن تكون للسودان أيامٌ مقبلات، أيام نهوضٍ واستقرار، وصولاتٍ وجولات… *د. عبد الرؤوف قرناص* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي لهم وظيفة الحصول علي (مصاريف الإرتزاق) من الكفيل المغلوب علي أمره، فهؤلاء القوم (فات) عليهم ان (ماحاق) بتجارب الإنقلابات العسكرية والديمقراطيات من عدم الإستقرار والإضطراب ماعاد يغري أحداً ليفكر في (إجترارها) مرة أخري، فقد عفا عليها الزمن، والبرهان بل كل منسوبي المنظومة العسكرية (يفهمون) ذلك و(ينأون) عن الوقوع في (شراكه) ومآلاته المضنية..أما أن يلجأ البرهان (لصناعة شعبية) له، فهذا قول مردود فالقائد البرهان أصلاً (يتمتع) بهذه الشعبية المكتسبة من (حضوره المؤثر) في قيادة العمليات العسكرية وبما حققه الجيش والفصائل الاخري المشاركة من إ(نتصارات ساحقة) ضد التمرد، فهذه الشعبية (مستحقة) وهو جدير بها وليست تحت (التصنيع) كما يزعم المخبولون..!! *أما قيل عن وقوف السيد رئيس الوزراء مع (عودة) القحاتة للحكم بمايشبه التعاطف معهم، فهو أيضاً من قبيل الكذب، فعودة أو عدم عودة من ساندوا التمرد، (قرار من الشعب) ولايملك الحق فيه لا السيادي ولا الحكومة لأنهما ملتزمان بإرادة الشعب ويقاتلان من أجله عسكرياً ومدنياً..فالبرهان في قيادة الميدانية والتخطيط العسكري وبروف كامل في (معافرة ورهق) الخدمة المدنية وإحياء شرايينها لتعود أقوي…وهما هكذا في هذا (الهم الوطني) الكبير، لا تشغلهما (طموحات ذاتية)، ولايفكران إلا في تحقيق تطلعات الشعب..فاخسأوا ياعملاء الشتات، (فعزة ورفعة) الوطن والشعب هما (الشغل الشاغل) للسيادي والحكومة..!! سنكتب ونكتب…!!! *فتح الرحمن النحاس* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *