سيادة وطن… لا إدارة موارد



*سيادة وطن… لا إدارة موارد*

➖🟢➖

حين تُمسك الأمم الضعيفة بحدودها، تُمسك الأمم القوية بمعناها.

وحين تُكتب الخرائط بالحبر، تُكتب الأوطان بالدم.

وفي زمنٍ تتقدّم فيه مصالح الأسواق على ذاكرة الشهداء، صار صوت الذهب أعلى من صوت التاريخ، وصار من يملك منفذًا كأنه يملك وطنًا كاملًا.

 

هذه الحرب — مهما حاول البعض تجميلها — ليست اختلافًا بين مقاعد الحكم، ولا نقاشًا حول شعارات مدنية تُرفع عند كل منعطف.

إنها حرب الأرض والذهب والموانئ.

حرب على الدولة نفسها: هل تُدار ككيانٍ سيادي أم كمنجمٍ يُقسم بين الطامعين؟

 

ليست حرب جنرالَين…

بل حرب على روح وطن.

حرب على جوهر السؤال الأبدي: من يملك السودان؟ أهله… أم من يحاولون شراء إرادته بالمساعدات والوعود والابتسامات الباردة؟

 

اليوم يتحدثون عن هدنة، وغدًا يطالبون بتفاوض، وبعد غدٍ قد يقترحون “تسوية عادلة”.

لكن تحت هذه العباءات الناعمة يختبئ سؤال واحد لا غير:

كيف تُدار ثروة البلد؟

ومن يوقّع العقود؟

ومن يتحكم في مفاتيح الموانئ والمناجم والحدود؟

 

الذين يظنون أن السلام يولد من صورٍ على منصّات المؤتمرات لا يفهمون معنى الدولة.

السلام الذي لا يبدأ بسيادةٍ كاملة ونزع سلاح الغنيمة ليس سلامًا، بل قسطًا أول لتمويل الفوضى المؤجلة.

السلام الحقيقي لا يبدأ من قاعات الفنادق، بل من عقولٍ تعرف أن الدولة لا تقوم على التسويات، بل على الحسم والعدل وسلاحٍ واحدٍ تحت علمٍ واحد.

 

قد يرتدي بعضهم بدلة أنيقة، وقد يتعلم فنون المصافحة ومهارات الابتسامة أمام الكاميرات، لكن الذئب لا يصبح حارسًا للحظيرة لأنه جلس في ورشة “بناء الثقة”.

ولا تتحول المليشيا إلى مؤسسة مهما اغتسلت لغتها بماء البروتوكول.

 

فالدولة ليست “مشروعًا استثماريًا” يعرض في دفتر رؤى خارجية.

والسيادة ليست منحة تُعطى مقابل حسن السلوك.

هيبة الوطن لا تُدار بالعقود، بل تُصان بالوعي، بالعزم، وبقدرة الشعب على أن يقول:

لا تُباع أرضي، لا يُقاسم ذهبي، لا يُمزّق جيشي.

 

نحن لسنا ضد العالم، ولسنا دعاة انعزال.

لكننا نعرف الفرق بين شراكة محترمة تحفظ الإرادة، وبين وصاية مُقنّعة تشتري القرار الوطني تحت لافتة التنمية والدعم والتعاون.

 

قد يصوغ الخارج الخطط،

ويضع جداول زمنية،

ويعرض “الخبرات والتسهيلات”.

 

لكن لا أحد يستطيع أن يكتب صكّ وطنٍ ليس له.

ولا أن يمنح الخيانة شرف الوطنية.

ولا أن يجعل من الفوضى دولةً ولو باركتها كل المؤتمرات.

 

السودان لا يُدار… بل يُصان.

لا يُقسّم… بل يُحرس.

لا يُقايض… بل يُقدّس.

 

هذا وطنٌ لا يُسلَّم كمفتاحٍ في مكتبٍ أنيق، ولا يُعاد ترتيبه كأثاث سفارة.

هذا وطنٌ حُفرت حدوده في ذاكرة شعبه، لا في خرائط الآخرين.

 

سيادة وطن… لا إدارة موارد.

وكرامة شعب… لا أرباح صفقات.

ودولةٌ تُبنى بروح أهلها، لا بعقودٍ تُكتب وراء البحار.

 

هنا السودان…

لا يُباع، لا يُشترى، ولا يُدار إلا بإرادة أبنائه.

*د. الشاذلي عبد اللطيف*

______________

*للانضمام لـ(مهرة9)علي الواتساب:*

https://chat.whatsapp.com/FdVAn09OvDX31a6FxssigL

  • Related Posts

    تدوين علي دفاتر برلين

    *تدوين علي دفاتر برلين!.* ➖️🟢➖️ بالامس كتبت في هذه الزاوية عمودا بعنوان (ربما لاحقا).. عن مؤتمر برلين.. وكل الذي قلته حدث.. وبحذافيره… انفض السامر بعجله وعلي عجالة.. واقبل بعضهم علي بعض يتلاومون.. ذلك انهم رفعوا من سقف التوقعات وحمَّلوا المؤتمر أكثر مما يحتمل.. ظنوا -وبعضه اثم- ان المؤتمر سيعيد اليهم دولتهم (صُرة في خيت).. و(معقودة ما بتتفلخ)،، انفض الائتمار ولم يحصل شي في اتجاه (الفصل السابع) ولا إيقاف حربنا ضد الجنجويد واعلان حرب العالم ضدنا كما روجوا واستفاضوا في الصريخ!.. ▪️ ثم انهم عمدوا الي تسفيه الأصوات المناؤئة لهم وتوعدوهم بالويل والثبور وعظائم الامور، فاذا بالابطال يملأون الساحات خارج المؤتمر ويضغطون بقوة مدهشة علي الجميع.. تظاهر الابطال ضد الأوغاد ومن ثم عادوا الي بيوتهم بذات الفخر الذي اخرجهم.. لم يمسسهم سوء، بالرغم من الدعاية السوداء الساذجة التي ملأوا بها الاسافير.. تحدوهم.. ونجح اهل الكرامة في الاختبار، بينما فغر الصموديون افواههم ولم يفهموا بعد ما الذي تحول فعلا وجعلهم بذات الذلة والهوان علي الناس.. تحولت برلين الي ميدان جديد للمنازلة و(البل).. وحقا متلما قالو.. (لا تبدأ شيئا لا تستطيع اكماله).. ▪️لم أكن مستبشراً خيرا بهم وهم (يتفاسلون) ويرفضون حضور اغيارهم.. علي ان الزغرودة التي اطلقتها الماشطة تهاني عباس موحية ويمكن البناء عليها.. فرحتها بالـ(جاكومي) ظاهرة، والجاكومي مهما تسفل ومهما كانت مقدراته ومكانته بيننا، الا انه لا يزال -(حتي الان)- الي جانب الكرامة، ومثله في ذلك(اردول)، وذلك حتي اشعار اخر.. ان القبول…

    Read more

    Continue reading
    *هوامش على دفتر العودة!.*

    *هوامش على دفتر العودة!.* ➖️🟢➖️ ▪️قبل الحرب لم يكن أحد منا يلجأ إلى لحام الكوابل الكهربائية.. بعد الحرب صار هذا الأمر منتشرا بل أن غالب الناس لجأوا إلى ذلك في ظل الأضرار البالغة والتكلفة الباهظة لمعالجة ما أفسده الجنجويد.. تنتعش الان أسواق المواد الكهربائية و(سوق الكهربجية) على نحو لافت.. ومصائب قوم عند قوم فوائد!.. ▪️الخرطوم ليس فيها كلاب.. تكاد تكون منعدمة (حتى الطير رحل خلاني).. (ما خلا لي خاطر).. وكذلك الكدايس.. أما الفئران فأعدادهم لا بأس بها.. الغريبة ان الفئران أصبحت أقل خجلا.. خاصة بالليل.. تعودت علي (الجنجويد).. وتحاول الآن الاقتراب من الناس!.. ▪️اذا أحسست وانت داخل المنزل ان في الحوش حرامي أو حرامية لا تجهد نفسك ببلاغ النجدة او ضرب الكوراك لـ(أبو مروة).. ما عليك سوى إصدار أي جلبة، او طلع راسك بالشباك مع أي همهة، وسيبادر هؤلاء الظرفاء بالقول حالا: (معليش.. قايلين البيت فاضي).. وسيخرجون من باب الدخول وبهدوء!.. ▪️حي الشجرة من أكثر أحياء الخرطوم أمانا وحيوية.. أسواقها ضاجة.. وهي اقلهم شفشفة.. سوي لصوص (الموتورات)!.. ▪️السرقات التي تمت في العاصمة بعد تحريرها لا ينبغي أن تمر مرور الكرام.. خاصة من تلك التي تمت عبر أشخاص يرتدون أزياء القوات النظامية.. وإذا تركنا أمر البيوت جانبا فان (شفشفة) الاذاعة والتلفزيون بعد التحرير أمر لا ينبغي السكوت عليه!.. ▪️حدثني عبدالله التاجر في سوق السجانة، عن ظهور (شفع صغار) في السوق بأموال طائلة (خالعاهم).. شفع بلا تاريخ ولا تجارب.. فجأة مدت الدراهم…

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *