اعمدة مهرة

(إلى أين المسير يا اتحاد كرة القدم السوداني؟… رفقًا بالوطن)

*(إلى أين المسير يا اتحاد كرة القدم السوداني؟… رفقًا بالوطن)*

*”حين تتحول إدارة الأزمات إلى سياسة دائمة… كيف فقدت كرة القدم السودانية بوصلتها الاستراتيجية؟”*

➖⚽➖

*(مُهرة نيوز)*

⏺️ليست أزمة كرة القدم السودانية في خسارة مباراة، أو خروج منتخب من بطولة، أو تعثر نادٍ في مشاركة خارجية. فهذه أمور تحدث حتى في أكثر الدول تقدماً واحترافية. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في استمرار الفشل نفسه لعقود طويلة، مع الإصرار على إدارة الواقع بالأدوات ذاتها، والعقليات ذاتها، والنتائج ذاتها، وكأن الزمن توقف عند محطة لا يريد أحد مغادرتها.

⏺️في الإدارة الحديثة، لا يُقاس نجاح المؤسسات بحجم النشاط الذي تمارسه، بل بحجم الأثر الذي تصنعه. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل سوداني اليوم ليس: كم بطولة شاركنا فيها؟ بل: ماذا حققنا من تلك المشاركات؟ وما الذي أضافته إلى كرة القدم السودانية؟

⏺️إن المتأمل في واقع المنظومة الكروية السودانية يلاحظ أن التفكير الإداري ما زال يدور في دائرة إدارة الأزمة، وليس صناعة المستقبل. فالقرارات كثيراً ما تأتي كردود أفعال آنية، أو كتسويات مؤقتة لإرضاء الأطراف المختلفة، بينما تغيب الرؤية الاستراتيجية التي تحدد بوضوح: أين نحن الآن؟ وإلى أين نريد الوصول بعد خمس أو عشر سنوات؟

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فحين يصبح الهدف الأساسي هو إرضاء الجميع، تكون النتيجة في الغالب إرضاء أحد. وحين تُدار المنافسات بمنطق التوافقات أكثر من منطق المعايير، تتحول اللوائح إلى أدوات مؤقتة لمعالجة الضغوط، بدلاً من أن تكون إطاراً مؤسسياً لبناء مستقبل اللعبة.

⏺️لقد شهدت كرة القدم السودانية خلال السنوات الأخيرة قرارات متباينة تتعلق بهيكل المنافسات وعدد الفرق المشاركة والصعود والهبوط، حتى أصبح المشهد أقرب إلى محاولة إرضاء جميع الأطراف بدلاً من بناء منافسة قوية ومستدامة. والنتيجة الطبيعية لذلك هي تضخم البطولة المحلية بصورة تفوق قدرات البنية التحتية والإمكانات المالية والتنظيمية المتاحة.

⏺️في علم الإدارة الرياضية، لا تُقاس قوة الدوري بعدد الفرق المشاركة فيه، وإنما بجودة المنافسة، واستقرار اللوائح، وكفاءة الإدارة، وقدرة الأندية على الوفاء بالمعايير المهنية المطلوبة. أما عندما تصبح المنافسة أكبر من إمكانياتها الفعلية، فإنها تتحول تدريجياً إلى عبء على الجميع بدلاً من أن تكون منصة للتطوير.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن لدوري يعاني أصلاً من تحديات مالية وإدارية وتنظيمية أن يستوعب هذا التضخم المستمر دون أن تتأثر جودة المنتج الكروي؟

⏺️إن كرة القدم الحديثة أصبحت صناعة اقتصادية ومعرفية معقدة، تتطلب بنية تحتية متطورة، واستثمارات مستدامة، وكوادر متخصصة، وأنظمة حوكمة صارمة. بينما لا تزال بعض مفاصل إدارة اللعبة في السودان تعمل بعقلية الهواية في عصر الاحتراف، وبمنطق رد الفعل في عصر التخطيط الاستراتيجي.

⏺️ولذلك لم يعد مستغرباً أن تتكرر الإخفاقات الخارجية للمنتخبات الوطنية والأندية السودانية. فالمنتخب الوطني ليس مشروعاً منفصلاً عن الدوري المحلي، ولا عن الأكاديميات، ولا عن قطاع الناشئين، ولا عن برامج إعداد المدربين والحكام والإداريين.

المنتخب الوطني هو المرآة النهائية التي تعكس جودة المنظومة بأكملها.

وعندما تستمر النتائج المتواضعة لسنوات طويلة، فإن المشكلة لا تكون في المدرب وحده، ولا في اللاعبين وحدهم، وإنما في المنظومة التي أنتجت هذا الواقع.

⏺️إن الدول التي حققت نهضتها الكروية لم تفعل ذلك عبر الأمنيات أو الخطابات العاطفية، وإنما عبر مشاريع وطنية واضحة المعالم، تقوم على التخطيط طويل المدى، والاستثمار في الإنسان، والاعتماد على العلم، وتقييم الأداء بصورة مستمرة.

أما نحن، فما زلنا ندور في الحلقة نفسها: نحتفل بالبدايات، ونتجاوز الإخفاقات، ثم نعود إلى نقطة الصفر.

⏺️ومن هنا يبرز سؤال المساءلة.

من يحاسب؟

ومن يراجع؟

ومن يقيم الأداء؟

ومن يقول إن هذا القرار نجح أو فشل؟

في المؤسسات الرشيدة لا توجد مناصب فوق التقييم، ولا إدارات فوق النقد، ولا قيادات فوق المساءلة. فالمنصب العام تكليف وليس تشريفاً، ومسؤولية وليس امتيازاً دائماً.

ومن هذا المنطلق فإن المسؤولية لا تقع على الاتحاد وحده، رغم أنه صاحب الدور الأكبر بحكم موقعه القيادي. بل تمتد كذلك إلى الجهات الحكومية المعنية بالشأن الرياضي، وفي مقدمتها وزارة الشباب والرياضة، التي يقع على عاتقها واجب المتابعة والتقييم ووضع السياسات الوطنية الداعمة للإصلاح الرياضي.

فمن حق المجتمع أن يسأل: ما هي الخطة الوطنية لتطوير كرة القدم؟ وما مؤشرات الأداء المعتمدة؟ وما حجم التقدم المحقق؟ وما أسباب الإخفاقات المتكررة؟ وما الإجراءات التصحيحية التي تم اتخاذها؟

إن الصمت الطويل على النتائج المتواضعة لا يصنع إنجازاً، كما أن تكرار الأخطاء لا يمكن أن ينتج مستقبلاً مختلفاً.

⏺️لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة الأشخاص إلى ثقافة المؤسسات، ومن إدارة النفوذ إلى إدارة الكفاءة، ومن التمسك بالمقاعد إلى التمسك بالمشروع الوطني.

وآن الأوان كذلك لإفساح المجال أمام جيل جديد من القيادات الرياضية، رجالاً ونساءً، يحملون فكراً مختلفاً، ورؤية أكثر حداثة، وقدرة أكبر على مواكبة التحولات العالمية في إدارة الرياضة.

فالسودان ليس فقيراً في الكفاءات، لكنه كثيراً ما يعجز عن منحها الفرصة.

إن الوطن الذي أنجب أجيالاً صنعت أمجاد الكرة السودانية يستحق مشروعاً رياضياً يليق بتاريخه. ويستحق جماهير ترى الأمل في المستقبل بدلاً من تكرار مشاهد الإحباط ذاتها.

⏺️ختاماً…

ليست القضية معركة ضد أشخاص، ولا تصفية حسابات مع أفراد، وإنما دعوة صادقة لمراجعة المسار قبل أن تتسع الفجوة أكثر بين ما نملكه من تاريخ ومورد بشري موهوب بالفطرة ويحقق النجاح خارج الوطن؟ ..ونظرة ثاقبة لما نعيشه من واقع.

فالنجاح لا يولد من المجاملة، ولا يأتي من تكرار التجارب ذاتها وانتظار نتائج مختلفة.

والأوطان التي تريد مكاناً تحت الشمس لا تدير مؤسساتها بمنطق الترضيات، بل بمنطق الكفاءة والإنجاز والمساءلة.

رفقاً بالوطن…

ورفقاً بكرة القدم السودانية.

فالتاريخ لا يرحم، والجماهير لا تنسى، والأجيال القادمة تستحق أن تجد كرة قدم أفضل مما وجدناه نحن.

______

خالص إحترامي وتقديري للجميع..السودان أولاً.

*د.أبوالقاسم الطاهر الفاضلابي*.

تربوي وأكاديمي رياضي

gassimibrahim@yahoo.com

 

زر الذهاب إلى الأعلى