كامل إدريس .. هل فشل في المهمة؟

*كامل إدريس .. هل فشل في المهمة؟*

➖🟢➖

​خلال زيارتي الأخيرة إلى مدينة بورتسودان، حرصت على لقاء رئيس الوزراء، لا من باب المجاملة فقط، بل لأوصل إليه رسالة واضحة: إن الأداء الضعيف الذي أظهره في منصبه يسيء إليه أولاً، ثم يسيء إلى تضحيات الشهداء الذين دفعوا أثماناً باهظة لأجل أن نحيا كراماً. وهذه الرسالة هي التي دفعتني لكتابة مقال “الفرصة الأخيرة لتصحيح المسار”، ذلك المقال الذي أزعج الدائرة المحيطة به، لكن الانتماء للناس العاديين، واستشعار مخاوفهم، يفرضان علينا الحديث بوضوح وصدق مهما كانت ردود الأفعال.

​بالرغم من أنه “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، كما قال وزير الخارجية السفير محيي الدين سالم، إلا أنه يصعب تجاهل هذه الثغرة الواضحة على قمة هرم الجهاز التنفيذي؛ فالضعف الإداري يمكن أن يتحول إلى “كعب أخيل” يهدد صمود البلاد، لأن الأداء الحكومي المتواضع يُقوِّض كل ما يبذله الجيش والشعب من جهد في ساحات النزال.

​كان من المتوقع، فور تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء، أن ينجح في تحقيق شرط أساسي هو الخروج من العزلة وفك تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي- على الأقل- وهي مهمة ظن الكثيرون أنه سيبرع فيها بحكم خبرته الطويلة في المؤسسات الدولية. لكن ذلك لم يحدث؛ إذ لم ينخرط حتى في حراك دبلوماسي فاعل لتجسير العلاقة مع الغرب، أو تقديم صورة جديدة للحياة المدنية، ونتيجة لذلك، بقي السودان تحت الحصار والتعرض للعدوان الخارجي، حتى أصبحت أراضيه ساحة مفتوحة لمرتزقة من مختلف الجنسيات، دون أي مجهود حقيقي لكسب المعركة خارجياً، والسعي الجاد لتصنيف “الدعـ.م السريع” ميليشيا إرهابية، وعلى ما يبدو فإن فاقد الشيء لا يعطيه.

​أما زيارته الأخيرة للمملكة العربية السعودية، فقد كشفت ضعفاً تنظيمياً وارتباكاً واضحاً في التنسيق، لدرجة كادت أن تضر بعلاقات السودان مع دولة تُعد شريكاً استراتيجياً مهماً. ولا حاجة للتذكير بما جرى في إريتريا، حين أطلق هتافه الارتجالي “عاش أفورقي” في لحظة غير موفقة، مما حوّل الأمر إلى مادة للسخرية، في مشهد يذكّرنا بعبارة كارل ماركس: “التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ الأولى كمأساة، والثانية كمهزلة”.

​والأدهى من ذلك هو هشاشة ظهوره أمام الرأي العام، فطريقة جلوسه أمام الكاميرات، وتصرفاته العفوية، واختياراته غير المدروسة في الملبس والحضور، كلها تفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكنها تمس هيبة المنصب، ومن المؤسف أن يحتاج رئيس وزراء إلى من يذكّره ببدهيات بروتوكولية.

​عطفاً على ذلك جاء التخبط في ملف الذهب مثالاً صارخاً: قرار احتكار الصادر ثم التراجع عنه قبل أن يجفّ الحبر الذي كتب به، ما يعكس غياب الدراسة واتخاذ القرارات بعشوائية في التعامل مع أهم الموارد السيادية خلال هذه المرحلة.

​لا يمكن تبرير تعطيل اجتماعات مجلس الوزراء، ولا غياب الناطق باسم الحكومة، أو الذهاب إلى العاصمة الخرطوم وهزيمة مشروع الحرب الذي عمل على إفراغ البلاد من سكانها، وصناعة الدعاية السوداء. إلى جانب غياب إدارة إعلامية محترفة تعكس رأي رئيس الوزراء وتوجهات حكومته، في زمن الفضاءات المفتوحة، إذ لا يعقل تجاهل قيام منصات تواصل رسمية موثوقة تعبر عنه وتدافع عن سياساته، إن وجدت!

​دعك من الأمل ولنسأل فقط: ما هو مشروع حكومة كامل إدريس الذي يُفترض أن تعمل عليه الآن؟ ما هي الرؤية الطموحة التي يتعين علينا التبشير بها؟ ثمة حاجة إلى أفكار قابلة للتحقيق، ” النظرية رمادية والتجربة خضراء”، على حد قول غوته، وهو ما يجب أن يفهمه كامل إدريس.

نحن في حالة حرب، وواجب المرحلة هو الارتقاء لمستوى التحديات، وتوجيه كل الطاقات لدعم المجهود الحربي والإنساني، ليس فقط على خطوط القتال، بل في المزارع والمصانع والمدارس. وهذا يتطلب رؤية واضحة وإرادة صارمة، لا خطابات فضفاضة وعبارات رومانسية عن النزاهة والاستشفاء الوطني، يعقبها النوم في العسل.

​يمكن الحفاظ على هذه الحكومة بتوازناتها السياسية مع استبدال رئيس الوزراء بآخر، فلا شيء يمنع ذلك. فهو غير منتخب، بل موظف حكومي كُلِّف بمهمة محددة، وقد أخفق فيها. وليس هناك ما يبرر الإصرار على بقائه في موقع لم يعد قادراً على الاضطلاع بمتطلباته في ظل هذا المنعطف التاريخي الحرج.

*عزمي عبد الرازق*

__________

*للانضمام لـ(مُهرة11)علي الواتساب:*

https://chat.whatsapp.com/HggEDln1GPV9DI7UZiJyN4

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس…

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي…

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *