حكومة إدريس… بين الدولة و الفوضى

*حكومة إدريس… بين الدولة و الفوضى*
➖🟢➖
*مُهرة نيوز*

لم تعد الدولة بعد هذه الحرب، كما تشكّلت وعاشت في وعي المجتمع منذ الاستقلال. فالدولة لم تسقط دفعة واحدة، بل تآكلت ببطء، حتى لحظة الإنفجار التي كشفت هشاشتها البنيوية، وعجزها عن أداء وظيفتها الأساسية: حماية المجتمع وتنظيم الحياة العامة. من هنا، لم يعد السؤال من يحكم السودان، بل أي دولة يمكن أن تُحكم أصلًا، وبأي عقد اجتماعي.

في هذا السياق التاريخي الحرج، تكتسب عودة حكومة الدكتور كامل إدريس إلى مباشرة عملها من العاصمة القومية الخرطوم دلالة تتجاوز الإجراء الإداري أو الأبعاد السياسية. إنها عودة تُقرأ باعتبارها محاولة لإعادة تعريف الدولة من موقع التجربة القاسية، لا من فضاء الخطاب. لذلك العودة للخرطوم ليست إعلانًا للانتصار، بل قبولًا بالمساءلة.

لقد أعادت الحرب المجتمع السوداني، قسرًا، إلى ما وصفه “توماس هوبز” بحالة الطبيعة، حيث يغيب الاحتكار المشروع للعنف، وتنهار الحدود بين السلطة والفوضى، ويصبح الخوف هو القاعدة الناظمة للعلاقات. في تلك اللحظة، تسقط الشرعية تلقائيًا، لأن الدولة التي لا توفر الأمن تفقد مبرر وجودها. غير أن الدرس الأهم الذي أنتجته الحرب لا يكمن في الخوف وحده، بل في التحول العميق في وعي المجتمع، إذ لم يعد المواطن مستعدًا لمنح الطاعة مقابل وعود مؤجلة، ولا لقبول دولة تطلب الولاء دون أن تقدم الخدمات وتبسط الأمن وتشعر الناس بهيبتها ووجودها.

من هنا فإن عودة الحكومة إلى الخرطوم لا تعني استعادة المكان فقط، بل استعادة المعنى السياسي للدولة. إنها انتقال محفوف بالمخاطر من دولة غائبة إلى دولة حاضرة، ومن سلطة تحكم عن بعد إلى سلطة تختبر نفسها في الميدان. فالوجود في العاصمة، في ظل هشاشة أمنية واقتصادية واجتماعية، يضع الحكومة أمام اختبار يومي: إما أن تتحول الدولة إلى جهاز وظيفي يخدم الناس، أو أن تنكشف مرة أخرى عن عجزها .

هنا يبرز التحول المفاهيمي الأهم في مرحلة ما بعد الحرب: الانتقال من شرعية الشعارات إلى شرعية الأداء. فالحكومة لم تعد تُقاس بخطابها، ولا بقدرتها على التعبئة، بل بمدى نجاحها في إعادة تشغيل المستشفيات، وضمان الكهرباء والمياه، وتأمين العمل، وإعادة المدارس والجامعات إلى دورها الطبيعي. إن وعود الحكومة بتحسين الخدمات، وخفض التضخم، ودعم المشروعات الإنتاجية الكبرى، لا تمثل برامج اقتصادية فحسب، بل تشكّل أدوات سياسية لإعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا الموضع، نتوقف عند “جان جاك روسو ” كمرجع لفهم لحظة التأسيس. فالعقد الاجتماعي الجديد الذي يتشكّل بعد الحرب لا يقوم على الخوف وحده كما عند هوبز، بل على الإرادة العامة، أي على قبول المجتمع بأن تكون الدولة تعبيرًا عن مصلحته المشتركة، لا جهازًا فوقيًا يفرض نفسه بالقوة. وهذا ما يجعل مرحلة ما بعد الحرب لحظة سياسية بامتياز، حيث تنتقل الدولة من طلب الطاعة إلى للقبول، ومن منطق السيطرة إلى منطق التبادل.

إعلان د. كامل إدريس أن العام 2026 سيكون عامًا للسلام، وربط ذلك ببرامج اقتصادية وتنموية، يكشف أن السلام لم يعد قيمة أخلاقية مجردة، بل شرطًا سياسيًا واقتصاديًا لبقاء الدولة. فالسلام لا يعني نهاية الصراع بقدر ما يعني إدارته بعقلانية، وربطه بسوق العمل، والإنتاج، والعدالة الاجتماعية. وهو تصور واقعي تؤكده تجارب الدول الخارجة من الحروب، حيث لم تستقر الأوضاع إلا حين تَحوّل السلام إلى استقرار الاقتصاد.

غير أن أخطر ما قد يهدد هذا المسار هو إعادة إنتاج مركزية الدولة القديمة. فالدولة التي انهارت كانت دولة مركز بلا أطراف، وسلطة بلا توزيع عادل للموارد. وإذا عادت الحكومة إلى الخرطوم لتعيد إنتاج هذا النموذج، فإن العقد الاجتماعي الجديد سيولد مشوهًا، مهما حسنت النوايا. إن إعادة بناء الدولة تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المركز والهامش، وتمكين الحكومات المحلية بوصفها شريكًا في العقد، لا مجرد أداة تنفيذية للجبايات.

إن وجود الحكومة في الخرطوم، كما قال الوالي احمد حمزة، يحمل رسالة سياسية واقتصادية وتنموية مفادها أن العاصمة تهيأت لاستقبال أبنائها، وأن الدولة قررت أن تواجه تحدياتها من قلبها لا من أطرافها. غير أن هذه الرسالة ستظل ناقصة ما لم يشعر المواطن بأن عودة الحكومة مرتبطة بوظيفتها: أن تكون حارسًا للأمن، ومنظمًا للاقتصاد، وخادمًا للناس.

بحسب #وجه_الحقيقة فعودة الحكومة إلى الخرطوم ليست نهاية الأزمة، بل بدايتها الفعلية. إنها امتحان لقدرة الدولة من النجاة من الحرب إلى الاستفادة من دروسها، ومن سلطة تطلب الشرعية إلى مؤسسة تصنعها بالفعل اليومي. وهنا يتبدى معنى العنوان: حكومة إدريس… بين إعادة تأسيس الدولة اوالانزلاق إلى الفوضى. فإما أن تنجح هذه اللحظة في صياغة عقد اجتماعي جديد، أو تُهدر الفرصة، ويُترك السودان مرة أخرى معلقًا بين دولة لم تكتمل، وفوضى قابلة للاستدامة.
دمتم بخير وعافية.
*ابراهيم شقلاوي*
الثلاثاء 13 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com
____________
*للانضمام لـ (مُهرة 13)*
https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس…

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي…

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *