التعليم في السودان… حين ينجح “التدريس” وتغيب “التربية”

*التعليم في السودان… حين ينجح “التدريس” وتغيب “التربية”*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*

في السودان اليوم، لم يعد السؤال: كيف نُحسّن التعليم؟ بل أصبح أكثر إيلاماً: هل ما زالت وزارة التربية والتعليم تُمارس “التربية” أصلاً؟
ذلك أن الواقع يكشف مفارقة صارخة: منظومة تُرهق نفسها في الامتحانات والمناهج، بينما تتآكل وظيفتها التربوية القيمية والاجتماعية بصمت.
1️⃣أولاً: واقع مأزوم… تعليم على حافة الانهيار
لم يعد توصيف “الأزمة” كافياً لوصف حال التعليم في السودان؛ نحن أمام تفكك بنيوي متعدد الأبعاد:
⛔انخفاض الإنفاق على التعليم إلى مستويات متدنية (قرابة 2% أو أقل من الناتج المحلي)، مقارنة بمتوسط عالمي يتراوح بين 4–6%
⛔خروج ملايين الأطفال من المدارس بسبب الصراعات والنزاعات والحروب منذ 2019 واكتملت المهمة في العام 2023 حيث حدث
⛔تدمير واسع للبنية التحتية التعليمية، وتحويل بعض المدارس إلى ملاجئ للنازحين
⛔هجرة المعلمين وتدني رواتبهم، ما أفقد المدرسة أحد أهم أعمدتها.
وفي مثل هذا السياق، يصبح الحديث عن “جودة التعليم” ترفاً، بينما المعركة الحقيقية هي بقاء التعليم نفسه.
2️⃣ثانياً: هيمنة “الأكاديمي” على حساب “التربوي”
رغم هذا الانهيار، لا تزال المنظومة تُدار بعقلية تقليدية تركز على:
⏺️الامتحانات الوطنية بوصفها معيار النجاح الوحيد
⏺️الحفظ والتلقين بدل بناء التفكير النقدي
⏺️المناهج النظرية المنفصلة عن الواقع
⏺️حتى في النقاشات الشعبية، يظهر هذا الخلل بوضوح؛ حيث يرى بعض الطلاب أن النظام “يحدد مستقبلهم بالكامل عبر امتحان واحد”، مع ضعف واضح في الأنشطة والمهارات الحياتية.
♨️إن المشكلة ليست في وجود الجانب الأكاديمي… بل في تضخّمه حتى ابتلع “التربية”.
3️⃣ثالثاً: أين ذهبت “التربية”؟
التربية، في معناها العميق، هي بناء الإنسان:
القيم، السلوك، الهوية، الانتماء، القدرة على التعايش.
لكن في الواقع السوداني اليوم:
⭕المدرسة فقدت دورها كحاضنة اجتماعية بسبب الحرب والنزوح
⭕الأسرة تعاني اقتصادياً، فلم تعد قادرة على دعم الدور التربوي
⭕المجتمع يعيش حالة اضطراب قيمي نتيجة الصراع
وبذلك، نشأ جيل يتلقى معلومات بلا منظومة قيمية متماسكة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي:
يمكن تعويض الفاقد الأكاديمي… لكن انهيار التربية يهدد تماسك المجتمع نفسه.
4️⃣رابعاً: هل ما زالت الوزارة “تربوية”؟
من الناحية الشكلية، نعم.
أما من الناحية الوظيفية، فالإجابة أكثر تعقيداً:
❌الوزارة منشغلة بإدارة الأزمات (امتحانات، نزاعات، لوجستيات)
❌ضعف التمويل يحدّ من أي برامج تربوية حقيقية
❌غياب رؤية فلسفية واضحة للتعليم كـ “بناء إنسان”
وبالتالي، تحوّلت الوزارة تدريجياً من:
وزارة تربية وتعليم → إلى وزارة “تنظيم امتحانات وإدارة مدارس”.
5️⃣خامساً: التوجهات العالمية… ماذا يفعل العالم الآن؟
بينما يغرق السودان في أزماته، يتحرك العالم في اتجاه مختلف تماماً:
✅التعليم القائم على الكفاءات (Competency-based learning)
✅دمج القيم والمهارات الحياتية في المناهج
✅الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعلم
✅التركيز على “التعلم مدى الحياة” بدل الشهادة النهائية
❇️التجارب في دول مثل رواندا وكينيا أظهرت أن التحول الرقمي والتربوي يمكن أن يحدث خلال سنوات قليلة إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية
العالم لم يعد يسأل: ماذا يعرف الطالب؟
بل: من هو هذا الطالب؟ وكيف يفكر؟ وكيف يتصرف؟
6️⃣سادساً: المقاربة المطلوبة… من “تعليم” إلى “تربية متكاملة”
الإصلاح الحقيقي في السودان لا يبدأ من المناهج فقط، بل من إعادة تعريف التعليم نفسه:
1. إعادة الاعتبار للوظيفة التربوية
إدماج القيم الوطنية والإنسانية في كل مادة
بناء برامج للتربية السلوكية والنفسية
2. تمكين المعلم
ليس كناقل معرفة فقط، بل كمربٍ وقائد قيمي
تحسين أوضاعه المادية والمهنية
3. التحول نحو التعليم المرن
التعليم الرقمي كحل في مناطق النزاع
نماذج تعليم بديلة (مجتمعية/عن بُعد)
4. إعادة تصميم التقييم
تقليل مركزية الامتحان النهائي
اعتماد تقييم مستمر قائم على المهارات
خاتمة: سؤال المستقبل
إذن… هل ما زالت وزارة التربية والتعليم في السودان مسؤولة عن تربية الأبناء؟
نظرياً: نعم.
واقعياً: الدور التربوي يتآكل، ويحتاج إلى إنقاذ عاجل.
المعضلة ليست في نقص الخطط، بل في غياب التحول الجذري:
من نظام يُخرّج “حافظين للمعلومة”
إلى نظام يُخرّج إنساناً متكاملاً.
وفي ظل ما يمر به السودان، ربما يصبح هذا التحول ليس مجرد إصلاح تعليمي…
بل *شرطاً لبقاء الدولة نفسها.*
(فلنجتهد ونتعاون جميعاً لنلحق بركب الأمم التي عبرت) .

*د.أبوالقاسم الطاهر الفاضلابي*
تربوي وأكاديمي رياضي
gassimibrahim@yahoo.com
__________
*للانضمام لـ (مُهرة 7)*
https://chat.whatsapp.com/EJitnrxVB2hC4CtUswOq2U?mode=gi_t

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس…

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي…

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *