ورطة الديمقراطية في السودان.

*ورطة الديمقراطية في السودان..*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
لم تجد الديمقراطية نفسها في مأزقٍ كما وجدته في السودان، حيث تحولت عند كثير من الساسة إلى مجرد شعار يرفع فوق المنصات، بينما الواقع يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
فما أكثر الذين يتحدثون باسم الديمقراطية، ثم إذا اقتربت من أحزابهم اكتشفت أنها أبعد ما تكون عنها.
يتحدث السياسي عن التداول السلمي للسلطة، بينما حزبه نفسه لا يعرف التداول داخل جدرانه.
يتغنى بالمؤسسية، لكن القيادة فيه تورث كما تورث الممتلكات والأسماء.
يحدثك عن حرية الاختيار، ثم لا يجد العضو العادي حق الحلم برئاسة الحزب، لأن الطريق مغلق سلفًا بأسماء بعينها وأسر بعينها وبيوتات بعينها.
وهكذا تدخل الديمقراطية السودانية في ورطة أخلاقية وفكرية؛ إذ كيف لمن لا يمارسها داخل حزبه أن يبشر الناس بها في الدولة؟
ثم تأتي الأحزاب العقائدية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لتزيد المشهد تعقيدًا.
هذه الأحزاب التي تؤمن بفكرة واحدة ورؤية واحدة وقائد واحد، تتحدث هي الأخرى عن الديمقراطية، بينما تاريخها الطويل قائم على الإقصاء والتخوين والانغلاق الفكري.
فالديمقراطية عند البعض ليست قناعة، وإنما مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، فإذا وصلوا إليها ضاقت صدورهم بالرأي الآخر.
وفي خضم هذا الصخب السياسي، يقف المواطن السوداني البسيط بعيدًا عن كل هذه المعارك النظرية.
لا يشغله كثيرًا الجدل حول المصطلحات بقدر ما يشغله سؤال واحد:
كيف يعيش بكرامة في وطنه؟
الشعب يريد دولة تحميه، لا خطبًا تستهلك أعصابه.
يريد أمنًا لا يخاف معه على نفسه وأسرته.
يريد كهرباء ومياهًا وتعليمًا وعلاجًا وفرصة عمل.
يريد أن يشعر أن السودان وطن يمكن أن يعيش فيه الإنسان محترمًا، لا محطة مؤقتة للهروب والنزوح والاغتراب.
لقد أصبح من المؤلم أن يتحول حلم الشباب من بناء السودان إلى مجرد مغادرته.
فكثيرون لم يعودوا يفكرون في السفر طلبًا للعلم أو السياحة أو تحسين الدخل، وإنما هروبًا من واقع يطاردهم بالإحباط وانعدام الأفق.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، لا في غياب الشعارات الديمقراطية، بل في غياب الدولة القادرة على منح مواطنيها الأمل.
الديمقراطية الحقيقية ليست صناديق اقتراع فقط، وليست مؤتمرات صحفية ولا بيانات سياسية.
الديمقراطية تبدأ عندما يشعر المواطن أن كرامته مصانة، وأن القانون فوق الجميع، وأن الفرص توزع بعدالة، وأن الدولة لا تميّز بين الناس على أساس الحزب أو القبيلة أو الطائفة.
أما تحويل الديمقراطية إلى لافتة يرفعها الجميع بينما يمارسون نقيضها، فهو ما أفقد الناس الثقة في السياسة والسياسيين معًا.
السوداني اليوم لا يريد معجزات.
يريد وطنًا مستقرًا يستطيع أن يعمل فيه ويعيش فيه ويربي أبناءه دون خوف أو مذلة.
يريد دولة تجعل الهجرة خيارًا لا اضطرارًا، وتجعل العودة حلمًا لا مخاطرة.
هذا هو التحدي الحقيقي أمام النخب السياسية كلها.
أما الاكتفاء بترديد وعود الديمقراطية، فلن يطعم جائعًا، ولن يداوي مريضًا، ولن يوفر أمنًا لوطن أنهكته الصراعات والشعارات.
*د.عبدالرؤوف قرناص*




