التهديد بتجميد العضوية الدائم حين يتحول العاجز إلى صاحب إنذارات

*التهديد بتجميد العضوية الدائم حين يتحول العاجز إلى صاحب إنذارات*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
١. يبدو أن الاتحاد الأفريقي قرر عمليًا التخلي عن كثير من أهدافه ومواثيقه المؤسسة، فبعد أن عجز عن القيام بدوره في حماية القارة ومنع الحروب والتدخلات الخارجية، ارتضى لنفسه أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم لخدمة مصالح القوى الكبرى داخل أفريقيا.
٢. فمحاولة تهديد السودان بالتجميد الدائم لعضويته لا تبدو معزولة عن السياق العام للصراع، وإنما تأتي ضمن مرحلة جديدة أعقبت سقوط الرهانات العسكرية والسياسية السابقة، بعد تعثر مشروع المليشيا وفشل جناحها السياسي في تحقيق اختراق حقيقي داخل الدولة السودانية.
٣. وإذا كانت البداية اليوم بالسودان، فليس من المستبعد أن تمتد هذه الضغوط مستقبلًا إلى دول أفريقية أخرى، في ظل تصاعد الصراع الدولي على موارد أفريقيا ونفوذها الجيوسياسي، وهو صراع ظلت الحروب الداخلية واحدة من أهم أدواته التقليدية.
٤. والمفارقة أن اللوائح التي يتمسك الاتحاد الأفريقي بتطبيقها بصورة انتقائية قد تقوده في نهاية المطاف إلى فقدان ما تبقى من تأثيره السياسي والمعنوي داخل القارة، لأن أي مؤسسة إقليمية تفقد ثقة شعوبها تتحول تدريجيًا إلى مجرد هيكل إداري بلا روح ولا تأثير.
٥. حين أشرنا بالأمس إلى أن اللقاءات السرية والتحركات الجديدة لا تعني تخلي بعض القوى عن أهدافها في السودان، وإنما تعني فقط الانتقال من مرحلة الاعتماد على المليشيا وجناحها السياسي إلى وسائل وآليات أخرى، لم يكن ذلك قراءة عاطفية أو استنتاجًا متعجلًا، بل قراءة لطبيعة السلوك السياسي الدولي حين تفشل الأدوات القديمة في تحقيق أهدافها.
٦. فالدول لا تتخلى بسهولة عن مشاريعها ومصالحها، لكنها حين تفشل أداة من الأدوات، تبحث عن بديل أكثر قبولًا وأقل كلفة، ولذلك فإن ما يجري الآن ليس تحولًا في الأهداف، وإنما تحول في الوسائل المستخدمة لإعادة تشكيل المشهد السوداني والضغط على الدولة السودانية.
٧. ولم يطل الوقت حتى بدأت المؤشرات تظهر بوضوح، وعلى ما يبدو، فبعد تعثر محاولة إقحام إثيوبيا عسكريًا، يجري الآن الدفع بدور سياسي عبر مؤسسات إقليمية، فها هو الاتحاد الأفريقي يلوّح مجددًا بتجميد عضوية السودان نهائيًا، في خطوة تكشف أن الملف السوداني لا يزال يُدار بعقلية الضغوط السياسية أكثر من إدارته بعقلية البحث عن العدالة أو معالجة جذور الأزمة.
٨. ومنذ اندلاع الحرب، ظل موقف الاتحاد الأفريقي يثير كثيرًا من التساؤلات، ليس فقط بسبب ضعف تأثيره، وإنما بسبب اختلال ميزان التعاطي مع أطراف الصراع.
فالانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها المليشيا من قتل ونهب واحتلال للمنازل وتهجير للمواطنين واستهداف للبنية الاجتماعية والخدمية، لم تجد موقفًا حاسمًا وواضحًا من الاتحاد الأفريقي يرقى إلى مستوى الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان.
٩. بل إن الاتحاد، الذي يتحدث اليوم عن اللوائح والمواثيق، لم يُعرف عنه طوال فترة الحرب أي ضغط حقيقي تجاه الجهات الإقليمية المتهمة بدعم التمرد أو تغذيته سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا، رغم أن آثار ذلك أصبحت ظاهرة للعيان، ولم تعد مجرد اتهامات سياسية متبادلة.
١٠. والسؤال المشروع هنا:
كيف يصبح التمسك باللوائح أكثر حضورًا من التمسك بحماية الشعوب؟
وكيف تتحول النصوص الإجرائية إلى أداة ضغط على دولة تواجه حربًا وجودية، بينما يتم التغاضي عن أصل الأزمة ومصادر إشعالها وتمويلها؟
١١. إن تجميد عضوية السودان في هذا التوقيت، أو التهديد بذلك، لا يُفهم في الشارع السوداني باعتباره حرصًا على الشعب السوداني، بقدر ما يُفهم باعتباره استمرارًا لمحاولات إخضاع الدولة السودانية سياسيًا بعد فشل الرهان العسكري للمليشيا.
١٢. فلو كان معيار الاتحاد الأفريقي هو حماية المدنيين أو الحفاظ على الاستقرار، لكانت الأولوية هي إدانة الانتهاكات بوضوح، ومحاسبة من دعم الحرب، والعمل الجاد على وقف تدفق السلاح وتمويل الفوضى، لا الاكتفاء بالحديث عن الإجراءات الشكلية والعضويات والتجميد.
١٣. والمفارقة أن السودان، وهو يواجه واحدة من أعقد الحروب في تاريخه الحديث، يجد نفسه مطالبًا بالامتثال الكامل لنصوص ولوائح صيغت لظروف طبيعية، بينما يتم تجاهل أن الدولة نفسها تقاتل من أجل البقاء ومنع الانهيار الكامل.
١٤. إن الأزمة الحقيقية في موقف الاتحاد الأفريقي ليست فقط في قراراته، وإنما في فقدانه التدريجي لثقة الشعوب الأفريقية، بسبب الشعور المتزايد بأن كثيرًا من مواقفه أصبحت خاضعة لتوازنات وضغوط خارجية أكثر من تعبيرها عن إرادة أفريقية مستقلة.
١٥. ولذلك فإن التهديد بتجميد عضوية السودان قد يحقق ضجيجًا سياسيًا أو إعلاميًا مؤقتًا، لكنه لن يغير حقيقة أن جوهر الأزمة السودانية ما زال مرتبطًا بحرب فُرضت على الدولة والمجتمع، وأن معالجة الأزمة تبدأ أولًا بالاعتراف بطبيعة هذه الحرب ومن يقف خلفها، لا بمعاقبة الدولة التي تواجهها.
١٦. وما يجري اليوم يؤكد مرة أخرى أن مرحلة ما بعد تعثر مشروع المليشيا لا تعني نهاية الضغوط على السودان، وإنما تعني فقط دخول تلك الضغوط في طور جديد، تُستخدم فيه المؤسسات السياسية والإقليمية كبدائل للأدوات التي سقطت ميدانيًا.
١٧. إن تجميد عضوية السودان بصورة دائمة، أو حتى خروجه من بعض الأطر الإقليمية، لن يكون بالضرورة الحدث المفصلي الذي يغيّر مسار الأزمة السودانية، خاصة في ظل التراجع الواضح لفاعلية كثير من المنظمات الإقليمية والدولية، بما فيها الأمم المتحدة نفسها التي أصبحت تعاني من ضعف القدرة على فرض قراراتها أو إدارة الأزمات الدولية الكبرى، في عالم يتجه تدريجيًا نحو التحالفات المرنة والأطر البديلة والمصالح المباشرة.
١٨. ومع ذلك، لا ينبغي للسودان أن يتعامل مع هذه التهديدات بقدر من اللامبالاة، بل عليه أن يحولها إلى فرصة سياسية ودبلوماسية لفضح عجز الاتحاد الأفريقي عن حماية الدول الأعضاء من التدخلات والحروب، عبر الإسراع بإطلاق حملة دبلوماسية ثنائية واسعة مع الدول الأفريقية، تقوم على شرح طبيعة ما جرى في السودان، وكشف اختلال المعايير في التعاطي مع الأزمة السودانية منذ اندلاع الحرب.
تحياتي
*الفاتح الشيخ*
٢٠/مايو/٢٠٢٦




