تشريح بنيوي للنرجسية الصحفية السودانية

*تشريح بنيوي للنرجسية الصحفية السودانية*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
من السهل جداً أن تندفع الأقلام و تتشكل جبهة تضامن و تُعلن حملات مناصرة كلما صدر حكم قضائي بحق صحفي أو صحفية .. كالحال مع الزميلة الأستاذة رشان أوشي التي كان لها سهم كبير في حرب الكرامة و كانت تحارب الفساد و هو يستشري في جسد الدولة بكل شجاعة و لذلك أجد نفسي متضامن معها إنسانياً و مهنياً في وجه حكم قاسٍ و أرجو أن يُرفع عنها اليوم قبل الغد لأنها صحفية و الصحفي لا يستحق حكما جنائيا مثله مثل الأخرين حيث يختلف (القصد) هنا و هناك .. و لكن التحدي الحقيقي و الشجاعة الأخلاقية الغائبة تكمن في القدرة على فصل “الحدث العابر” عن “المرض المزمن” و النظر بعيون مفتوحة إلى النصف الأخر من الحقيقة .. أزمة وسط صحفي يمارس النقد على الجميع و لا يحتمل أن يمسه نقد أو تحاسبه قوانين .
لقد تحولت (السلطة الرابعة) في كثير من مناخاتنا إلى ما يشبه “الكهنوت المهني” حيث يتاح للصحفي أن يفعل كل شيء .. يكتب كما يشاء و يسب من يشاء و يدمر من يشاء .. ليرتفع عدد ضحايا هذا التغول إلى الألاف من المحرومين معنوياً و نفسياً من حقهم الطبيعي في الدفاع عن أنفسهم أو مقاضاة من ظلمهم من الصحفيين .. في سنوات خلت و في قضية سرقة ذهب نشرت صحيفة (ما) عنوانا تسمي فيه شخصا أعرفه تماما – بالسارق و تنشر مع الخبر صورته .. حاولت زوجته الإنتحار لو لا لطف الله .. لاحقا المحكمة برأته و أنطلق في مقاضاة الصحيفة و لكنه لم يحصل على شيء .. أمثال هؤلاء بالألاف و هم ضحايا لمثل هذه الأقلام التي تختبيء داخل الوسط الصحفي .
*التفسير السيكولوجي و الهيكلي للأزمة*
لكي نفهم لماذا يرى بعض الصحفيين أنفسهم فوق النقد و القانون لا بد من تفكيك البيئة و الخلفية التي تحكم هذا الوسط عبر ثلاثة أبعاد رئيسية :
* سيكولوجية “التضامن المهني .. حيث يعمل الوسط الصحفي بألية أشبه بالبنية القبلية حيث يُرفع شعار (انصر زميلك ظالماً أو مظلوماً) .. هذا التضامن الأعمى يُلغي الحاسة النقدية الداخلية للوسط و عندما يرتكب صحفي خطأً مهنياً فادحاً أو يمارس إغتيالاً معنوياً فبدلاً من أن تلفظه جماعته المهنية لتطهير ثوبها تندفع لحمايته و تشكل جبهات دفاع و حملات تضامن .. هذا الإلتفاف يوفر بيئة آمنة للمفسدين و الدخلاء على هذا الوسط ليمارسوا الإبتزاز و إغتيال السمعة و هم مطمئنون إلى وجود (درع جماعي) يحميهم .
* إرهاب السمعة و تعطيل أدوات العدالة .. ذلك أن الصحافة تملك (منصة إطلاق نار معنوي) قادرة على تدمير سمعة أي فرد أو مسؤول و لذلك فإن تكلفة مقاضاة الصحفي تصبح باهظة جداً على المواطن العادي إذ يخشى أن تتحول القضية من ساحة المحكمة إلى صفحات المنصات عبر حملات تشويه مضادة ، مضافاً إليها تدخل الوساطات و الضغوط اللاحقة على الشاكي و المؤسسات العدلية ليخلق كل ذلك (سلطة غاشمة) معفاة عملياً من المساءلة .
* متلازمة المرآة المكسورة و مسلسل بيت الجالوص .. في العام 2015م أثار المسلسل الإذاعي (بيت الجالوص) جدلاً واسعاً منذ حلقاته الأولى لما تناوله من نماذج لصحفيين فاسدين مما عجل بإيقاف بثه بعد تحرك قوي من الإتحاد العام للصحفيين السودانيين .. هذا الموقف التاريخي يختصر الأزمة .. الصحفي يرى الجميع عراة و يرى نفسه محاطاً بهالة من قداسة تمنع حتى الدراما من تشريحه .. هذا الإنغلاق و النرجسية هما تحديداً ما سمح لبعض الفاسدين و الدخلاء بالبقاء داخل الجسد الصحفي يمارسون الإبتزاز و تصفية الحسابات، ثم يختبئون خلف لافتة (حرية التعبير) .
*المقاربة العلاجية .. كيف نصل لصحافة مسؤولة؟*
إن الحرية هي أُس عمل الصحفي و عصبه لكنها ليست (شيكاً على بياض) لتدمير حيوات الناس .. فالحرية دون مسؤولية هي فوضى و تغول و المسؤولية دون حرية هي قمع و تكميم .. و إذا أردنا معالجة هذه المعضلة و الوصول إلى (صحافة مسؤولة) تحمي الصحفي و المواطن معاً .. فإننا بحاجة إلى مقاربة موضوعية ترتكز على محورين :
* التطهير الذاتي عبر (المجالس الأخلاقية المستقلة) .. ذلك أن الصحافة العالمية المحترمة لا تحميها المحاكم الجنائية فقط بل تحميها (مجالس السلوك المهني) (Press Councils) التي تشكلها النقابات و الجسم الصحفي نفسه بالتعاون مع المجتمع المدني .. يجب أن تكون هناك لجان محاسبة داخلية قوية تملك الجرأة على إدانة الصحفي المخطئ و فرق تفتيش مهني تعلن صراحة أن الممارسة (الفلانية) لا تمثل شرف المهنة .. عندما يرى الدخيل على الوسط و الإبتزازي أن زملاءه هم أول من يرفع عنه الغطاء الأخلاقي سينحسر الفساد الصحفي تلقائياً .و
* الردع المدني و المادي بدلاً من العقوبات السجنية .. من أكبر الأخطاء التي تحول الصحفي المخطئ إلى (بطل أو ضحية رأي) هي عقوبات السجن .. السبيل الأفضل قانونياً هو تفعيل التعويضات المادية الضخمة و الغرامات التي توجع المؤسسة الصحفية أو الكاتب مالياً لصالح الضحايا في قضايا القذف و التشهير الثابتة .. إلى جانب إجبار المنصة على نشر اعتذار رسمي واضح و بنفس مساحة و حجم المادة المسيئة .. هذا الأسلوب يحمي حرية التعبير من جهة و يفرض مسؤولية أخلاقية و مالية صارمة تجعل الكاتب يفكر ألف مرة و يدقق في أدلته قبل أن يمس سمعة الأخرين .
* كذلك يجب على المجتمع بكل قطاعاته أن يكسر جدار الخوف من القلم و أن يمارس حقه الدستوري في التقاضي بوجه أي تجاوز دون خضوع لوساطات أو (أجاويد) .. إن حصانة الصحافة الحقيقية لا تأتي من منع نقدها أو تحصينها ضد القانون بل من نظافتها الداخلية و عدالتها و الدفاع عن حريتها المهنية و في المقابل تسقط في إختبار الأخلاق إذا تحولت إلى درع لحماية الفساد و إغتيال الأبرياء .
أخيرا .. في قضية رشان ينتفي القصد الجنائي و هو أحد أركان الجريمة ذلك أن قصدها هو محاربة الفساد و ها هي تدفع ضريبة ذلك من أجل وطنها و شعبها و حتما ستنتصر و سيعود الحق الي جانبها لتواصل مسيرتها الظافرة .
الوسط الصحفي السوداني يضم أعلام و رموز لهم أدوارهم المشهودة التي ساهمت في بقاء الوطن حيا و عصيا .. أجد نفسي مسكونا بتقدير كبير لهم جميعا و انا أردد أسماءهم واحدا تلو الأخر في الصمت الذي يتشكل فيه هذا المقال الذي أكتبه حرصا على مستقبل هذه المهنة العاصمة و اللازمة و الشريفة ..
*الشاذلي حامد المادح*




