اعمدة مهرة

هل يحتمل السودان الممزق تصفية الحسابات؟

*هل يحتمل السودان الممزق تصفية الحسابات؟*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

لا يخفى على الناس أن السودان يمر بنفقٍ مظلم، وتكاد جثث الوطن تملأ الأفق وتجأر بالشكوى في كل محفل .. وفي وقتٍ يشهد فيه الفضاء السياسي فراغاً قاتلاً وجموداً حزبياً أشبه بالموت السريري ، يخرج علينا ممثل الكتلة الديمقراطية، مبارك أردول، بتصريحٍ أقل ما يُقال عنه إنه “مراهقة سياسية” في زمن المأساة. تصريحٌ يقضي بإبعاد حزب المؤتمر الوطني عن المشهد القادم، وكأن البلاد تملك حق الإقصاء، أو كأننا نعيش في رغد من العيش يسمح لنا بإشعال محاكم تفتيش جديدة وسط ركام الحرب!

إن هذا المنطق الإقصائي الأعرج ليس سوى حقن مميت في جسد الوطن المنهك. إن الساحة السياسية اليوم لا تحتاج إلى قنابل موقوتة، ولكنها بحاجة إلى جراحين يلملمون النسيج الاجتماعي المزق ، ويقدمون المصلحة العليا على كل شيء..

ألم يدرك أردول وزبانيته بعد أن روح التشفي، وثقافة الانتقام، وسعار الإقصاء، هي الوقود الحقيقي الذي أحرق السودان وفكك عراه؟

إن النفخ في كير الفرقة والاختلاف في هذا التوقيت الحرج هو خيانة عظمى لتطلعات الشعب السوداني الذي بات يبحث عن الأمان قبل الأيديولوجيا. وعن العفو قبل الانتقام إن سودان ما بعد الحرب لن يبنيه الواقفون على رصيف المزايدات، إنما سيبنى بسواعد سائر أبنائه، دون عزلٍ أو حجرٍ على أحد.

إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، مجبرون على تفعيل الحكمة الإنسانية العميقة: إييد على إييد تجدع بعيد ، إنها ليست كلمات تُقال في المحافل فحسب ، انما هي طوق النجاة الوحيد؛ أن توضع الأيدي فوق بعضها بقوة زلزلية تهدم جدران الكراهية وتحقق المستحيل، أو نسقط جميعاً في هاوية لا قاع لها.

وكيف لوعي سياسي سويّ أن يتوهم إمكانية محو حزب حكم البلاد لثلاثة عقود بجرة قلم أو بتصريح صحفي عابر؟ هذا ليس حجرًا سياسيًا ولكنه انفصال عن الواقع”.

إن المؤتمر الوطني، كأي تنظيم بشري قاد دولة في ظروف معقدة، له ما له وعليه ما عليه:أخفق وأخطأ: نعم، فالعصمة دُفنت مع الأنبياء، والكمال لله وحده، والخطأ شأن البشر المحتوم. وأنجز وأسس: ، نعم، له إسهامات مقدرة في بنية الدولة وكينونتها لا ينكرها إلا جاهد أو حاقد.

إن إقصاء هذا المكون من أي حراك وطني هو قمة الإقصاء الديكتاتوري المقنع بدثار الديمقراطية. فالمحاسبة والتقييم مكانهما منصات القضاء العادل وصناديق الاقتراع الحر، وليس مقاصل السياسيين الذين يبحثون عن أمجاد شخصية على حساب استقرار الأمة.

إننا نطلقها صيحة مدوية في وجه كل من يقتات على تمزيق الصف: كفى عبثاً بمصير هذا الشعب! إن إقصاء أي طرف في هذه المرحلة الحرجة هو دعوة صريحة لاستمرار الحرب بوسائل أخرى.

السودان ليس ملكاً للكتلة الديمقراطية ولا لغيرها ليوزعوا صكوك الغفران السياسي ويحددوا من يدخل جنة الوطن ومن يخرج منها. إما أن يسع الوطن الجميع بكافة ألوان طيفهم السياسي، وإما أن الطوفان القادم لن يستثني أحداً، وحينها لن ينفع البكاء فوق أطلال وطن أضعناه بأيدينا وعقليتنا الإقصائية العميقة.

*د.اسماعيل الحكيم*

 

زر الذهاب إلى الأعلى