المحكمة الدستورية وقضايا العدالة المعطلة..!

 

 

*المحكمة الدستورية وقضايا العدالة المعطلة..!*

➖🟢➖

لا يمكن فصل مصير العدالة في السودان عن دور المحكمة الدستورية، تلك المؤسسة القضائية العليا التي ظل منصب رئاستها شاغرًا لأكثر من ست سنوات منذ العام 2019، مما عطّل منظومة العدالة برمتها وترك آلاف القضايا معلقة بلا حسم.

من أبرز القضايا، قضية موظفي وحدة تنفيذ السدود، الذين لا يزالون ينتظرون حكمًا ينصفهم بعد فصلهم تعسفيًا بذريعة “الهيكلة”، التي طُبقت بشكل انتقائي عليهم وحدهم، في واحدة من أسوأ التجاوزات القانونية المخزية التي ستظل وصمة تلاحق مرتكبيها مهنيًا وأخلاقيًا.

إن دولة القانون التي يتطلع لها السودانيون ليست شعارات هي مبادئ وتجسيد لهيمنة القانون على الجميع بلا استثناء، حيث يكون الحق هو الفيصل، والعدالة هي الناظم لكل علاقة بين الدولة والمواطنين. الحريات التي تتخذ من القانون حصناً، كحرية التعبير والصحافة والاحتجاج السلمي، لا تتحقق إلا بوجود مؤسسات قضائية فاعلة و مستقلة، قادرة على حماية هذه الحقوق وإلزام الجميع بالقانون شكلا وموضوعا.

ولنا في تجارب بعض الدول دروس بليغة، فقد خرجت رواندا من حرب أهلية مدمرة لتبني دولة تستند إلى منظومة قانونية قوية أعادت إليها الاستقرار والنمو، حتى صارت إحدى أيقونات النهضة الإفريقية. وفي المقابل نجحت سنغافورة – بعد أن نخَرها الفساد – في استثمار مؤسسات قضائية مستقلة لتتحول إلى مركز اقتصادي عالمي ناهض، رغم محدودية مواردها.

أما في السودان، فإن قضية موظفي وحدة تنفيذ السدود تكشف بوضوح حجم الإخفاق في سيادة القانون، إذ تعرضوا للفصل التعسفي بلا مبررات قانونية، وبقوا سنوات ينتظرون قضاءً غائبًا بفعل تعطيل المحكمة الدستورية وتداعيات جائحة كورونا. هذا الغياب بجانب أنه ظلم فردي، أيضاً شكل أزمة مؤسساتية عميقة غذّتها الخلافات السياسية والتدخلات القانونية، وأجهضت فرص بناء الدولة المدنية التي يتطلع إليها السودانيون.

يزداد الأمر تعقيدًا مع تناقضات الوثيقة الدستورية والاتفاقيات السياسية الموقعة لبسط السلام ، ما يجعل من وجود محكمة دستورية فاعلة ضرورة قصوى. ويترقب السودانيون أن تمضي المحكمة نحو إحياء العمل بدستور 2005 بعد مراجعة البنود الخاصة بجنوب السودان، باعتباره من أكثر الدساتير التي حازت على قبول واسع بين القوى السياسية والمختصين، بما رسخه من حريات وتداول سلمي للسلطة وإدارة للتنوع.

إن تمكين المحكمة الدستورية من أداء مهامها باستقلالية وفعالية، بعيدًا عن التسييس، يمثل اختبارًا حقيقيًا لإرادة الحكومة والمكونات السياسية في استعادة ثقة الشعب بمؤسسات الدولة. فغياب العدالة يفتح الباب للفوضى، ويؤجج النزاعات، ويعطّل مسيرة التنمية والسلام.

المرسوم الدستوري الذي أصدره رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بتعيين مولانا وهبي محمد مختار رئيسًا للمحكمة الدستورية، يُعد خطوة أولى ينبغي أن تتبعها إصلاحات جذرية تشمل استكمال تشكيل المحكمة، وضمان استقلاليتها، ورفع كفاءة الجهاز القضائي، إلى جانب توفير بيئة سياسية تدعم سيادة القانون بوضوح وصرامة. هنا تتجلى الفرصة التاريخية أمام القيادة السودانية لبناء دولة مدنية تحترم الحقوق والحريات، وتجعل العدالة في مقدمة أولوياتها.

فالنجاح في إحياء دور المحكمة الدستورية يتطلب إرادة سياسية قوية وبيئة مستقرة تحمي استقلال القضاء، وتجعل من العدالة الدستورية ركيزة أساسية للبناء السياسي الجديد. وإذا ما ترافقت هذه الخطوة مع إصلاحات تشريعية وتنفيذية واسعة، فإنها قد تكون نقطة الانطلاق الحقيقية نحو دولة مدنية ديمقراطية قائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

بحسب #وجه_الحقيقة، إن العدالة ليست مجرد حيثية قضائية أو نزاع إداري، بل هي مرآة لمدى نضج الدولة وقدرتها على تحقيق السلام والتنمية. وتجربة السودان في هذا الملف هي اختبار لمستقبل وطن يتطلع أبناؤه إلى العيش في ظل قانون يحميهم، ويكفل لهم حرية التعبير والكرامة وجودة المعاملات. فالعدالة الدستورية ليست ترفًا، بل شرطًا لبناء السودان الجديد على أسس القانون والحرية والعدالة.

دمتم بخير وعافية.

*ابراهيم شقلاوي*

الثلاثاء 2 أغسطس 2025م

___________________

*للانضمام لـ(مهرة10)علي الواتساب:*

https://chat.whatsapp.com/ELc1FtHBJdICWzuWBAyy9I?mode=ems_copy_t

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس فقيرًا، بل مُعطَّل. ليس عاجزًا، بل مُقيَّد بسوء الإدارة وتراكم الأزمات. أراضيه الزراعية الممتدة، موارده المعدنية، موقعه الجغرافي، وثروته الحيوانية—allها كفيلة بأن تجعل من أي وديعة استثمارًا رابحًا لا مخاطرة فيه، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية واضحة. إنها دعوة صادقة لكل من يستطيع أن يسهم: للدول الشقيقة، للمؤسسات المالية، ولرؤوس الأموال الباحثة عن الفرص. وديعة لشعب السودان… وديعة تُعيد الأمل، لا تُعمّق التبعية. وديعة تُبنى على المصالح المشتركة، لا على الاستغلال. فالكل فيها رابح، إن صلحت النوايا، واستقامت الرؤية. والأيام دول… وقد علمتنا التجارب أن الشعوب، مهما طال ليلها، لا بد أن ترى فجرها. نسأل الله أن تكون للسودان أيامٌ مقبلات، أيام نهوضٍ واستقرار، وصولاتٍ وجولات… *د. عبد الرؤوف قرناص* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي لهم وظيفة الحصول علي (مصاريف الإرتزاق) من الكفيل المغلوب علي أمره، فهؤلاء القوم (فات) عليهم ان (ماحاق) بتجارب الإنقلابات العسكرية والديمقراطيات من عدم الإستقرار والإضطراب ماعاد يغري أحداً ليفكر في (إجترارها) مرة أخري، فقد عفا عليها الزمن، والبرهان بل كل منسوبي المنظومة العسكرية (يفهمون) ذلك و(ينأون) عن الوقوع في (شراكه) ومآلاته المضنية..أما أن يلجأ البرهان (لصناعة شعبية) له، فهذا قول مردود فالقائد البرهان أصلاً (يتمتع) بهذه الشعبية المكتسبة من (حضوره المؤثر) في قيادة العمليات العسكرية وبما حققه الجيش والفصائل الاخري المشاركة من إ(نتصارات ساحقة) ضد التمرد، فهذه الشعبية (مستحقة) وهو جدير بها وليست تحت (التصنيع) كما يزعم المخبولون..!! *أما قيل عن وقوف السيد رئيس الوزراء مع (عودة) القحاتة للحكم بمايشبه التعاطف معهم، فهو أيضاً من قبيل الكذب، فعودة أو عدم عودة من ساندوا التمرد، (قرار من الشعب) ولايملك الحق فيه لا السيادي ولا الحكومة لأنهما ملتزمان بإرادة الشعب ويقاتلان من أجله عسكرياً ومدنياً..فالبرهان في قيادة الميدانية والتخطيط العسكري وبروف كامل في (معافرة ورهق) الخدمة المدنية وإحياء شرايينها لتعود أقوي…وهما هكذا في هذا (الهم الوطني) الكبير، لا تشغلهما (طموحات ذاتية)، ولايفكران إلا في تحقيق تطلعات الشعب..فاخسأوا ياعملاء الشتات، (فعزة ورفعة) الوطن والشعب هما (الشغل الشاغل) للسيادي والحكومة..!! سنكتب ونكتب…!!! *فتح الرحمن النحاس* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *