الشرق… مرآة الدولة وامتحانها

*الشرق… مرآة الدولة وامتحانها*

➖🟢➖

*مُهرة نيوز*

استمعتُ إلى خطاب رئيس حركة تحرير شرق السودان، إبراهيم دنيا، ذلك الخطاب الذي أُثيرت حوله ضجة كثيفة. بحثت في ثناياه عن أسباب هذا الهجوم الصاخب، فلم أجد سوى كلمات هادئة، موزونة، قيلت بلغة أخلاقية رصينة، وتطرح مطالب مستحقة لأهل طالهم النسيان.

بدا الرجل وكأنه يذكر السلطة المركزية بما تفضل غالباً تجاهله: أن الأزمات التاريخية لا يمكن حلها بالتخوين، بل بالاعتراف والإنصات.

إن النهوض من ركام الأزمات البنيوية التي أورثت البلاد مسارات الهلاك، وفتحت شقوق السيادة أمام مطامع الخارج، لا يتم عبر القفز على الحقائق أو شيطنة المطالب، بل عبر نقاش عام عقلاني وشفاف، يستدعي أدوات التحليل الاجتماعي والسياسي، ويضع مظالم الأقاليم في لب المعادلة الوطنية.

تجاهل المطالب الحقيقية لا يلغيها، بل يعمقها، ويعيد إنتاجها في أشكال أكثر حدّة.

في العام 2022، قُدر لي أن أتجول في ولايات الشرق، من أقصاها إلى أدناها، لتسجيل حلقات برنامج “وعد وأمنيات”، الذي كان يُبث في شهر رمضان على شاشة قناة البلد. هناك، لمستُ مأساة شعب عظيم، تعرض لحرمان بيّن من حقوقه المدنية الأساسية، وتُرك فريسة للأمية، والعصبيات، وغياب الخدمات.

أيّ مفارقة قاسية تلك التي تجعل مدينة بورتسودان، التي قامت على مشروع استراتيجي بحجم الموانئ، تعاني شُح مياه الشرب وانقطاع الكهرباء؟.

في دلتا طوكر، وقفت على أطلال مشروع زراعي عظيم بدأ إنتاجه التجاري عام 1867م؛ مشروع كان يمكن أن يكون رافعة تنموية للأجيال السودانية، فإذا به اليوم محاصر بأشجار المسكيت التي غطّت نحو نصف مساحته، بعد أن كان يزرع القطن كمحصول استراتيجي. أرض رسوبية غنية بالطمي، من أخصب أراضي الإقليم، لكنها أُهملت حتى تعطلت منظومات الري، وتهالكت الآليات، وغابت الرؤية.

هذا ليس خطاب مظلومية عاطفي، بل توصيف لفشل حقيقي في السياسات العامة، واختلال في توزيع الموارد، وغياب للتخطيط التنموي المستدام. وبالطبع، لا تتحمّل الحكومة الانتقالية وحدها هذا الوزر، غير أن مسؤوليتها تظل قائمة في ضرورة إحياء هذه المشاريع وإعادة الاعتبار لها.

أما الطرق البرية التي تصل أجزاء الإقليم، باستثناء طريق (بورتسودان – عطبرة)، لم تتم صيانتها منذ أعوام طويلة. بنية تحتية متداعية، وخدمات شحيحة، واقتصاد محلي مُنهك؛ هذه حقائق تنموية لا ينكرها إلا مكابر. ومن واجب الصحافة، بوصفها سلطة رقابية معرفية، ومن واجب الرأي العام، بوصفه ضمير جمعي أن يساندا أهل الشرق في نيل حقوقهم كمواطنين سودانيين، لا كرعايا مؤجلين.

المقلق حقاً هو محاولة بعض الدوائر تجريم أي مطلب حقيقي، وقراءته آلياً بوصفه مشروع تمرّد جديد. هذا الخلط المفاهيمي لا يحل الأزمة، بل يفاقمها. فالدعم السريع، على سبيل المثال، لم يكن حركة مطلبية أصيلة، بل أداة توظيف خارجي، استثمر خطاب المظلومية لحشد الأنصار، ثم انقلب على الدولة والمجتمع معاً.

التمييز بين المطالب الاجتماعية المشروعة وبين العنف المُسيّس ضرورة أخلاقية وسياسية.

إبراهيم دنيا لم يأتِ شيئاً فرياً ولم يخترع سردية من فراغ، إنما عبّر عن مطالب شعبية متراكمة، لها جذور تاريخية واضحة. وبدل مهاجمته، أو الذهاب إلى خيارات عبثية كنزع وطنيته وهو صاحب حق فيها أصالة وامتداد تاريخي.الأجدر بالدولة أن تلتقط الإشارة، وأن تعيد توجيه بوصلتها نحو الاستجابة لمطالب الخدمات والتنمية المتوازنة.

قوة الدولة ليست في قدرتها على إسكات الأصوات، بل في قدرتها على تحويل الشكوى إلى سياسة عامة، والاحتجاج إلى برنامج إصلاح. والشرق، في نهاية المطاف، ليس هامش جغرافي، بل مرآة تعكس عمق الأزمة الوطنية، وبوصلة يمكن إن أحسنا قراءتها، أن تدلّنا على طريق الخروج من التيه.

محبتي واحترامي.

*رشان اوشي*

____________

*للانضمام لـ (مُهرة 13)*

https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس…

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي…

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *