تذكر عهدنا الأول !

*تذكر عهدنا الأول !*

➖🟢➖

*مُهرة نيوز*

في أغنية (أفكر فيه وأتأمل) لا نقف أمام نص عاطفي عابر، بل أمام عمل يختصر رحلة كاملة من تطور الوجدان السوداني، حيث تتلاقى مفردة الحقيبة العتيقة مع صوت حديث، في حوار فني عابر للأجيال، لا يعرف القطيعة ولا النسيان،

كلمات الشاعر الراحل عبيد عبد الرحمن تنتمي إلى مدرسة شعرية تعرف كيف تُلبِس العاطفة ثوب الوقار، وكيف تجعل الحب فكرة تُتأمل لا نزوة تُستهلك، المفردة هنا ليست سهلة، لكنها غير متكلفة ،جزلة دون أن تكون مغلقة، وعاطفية دون انزلاق للابتذال. أفكر فيه وأتأمل ليست مجرد عبارة افتتاحية، بل مفتاح دلالي للنص كله: حب قائم على الفكر، على الصبر، على الاستبطان، لا على اللهفة السريعة

في قوله:

سأصبر ياخي إيه أعمل

إذا قلب الفتى اتحمل

مصايب الدهر والامو

أرى الصبر الجميل أجمل…

نحن أمام شاعر لا يكتب عن الحبيب فقط، بل عن الإنسان في امتحانه الوجودي، الحب هنا يتداخل مع الفقد، مع الزمن، مع الأخلاق، مع فكرة الصبر نفسها كقيمة عليا، هذا شعر يُقرض بوعي، ويُصاغ بميزان دقيق، حيث تتوازن الفكرة مع الصورة، واللغة مع الإحساس

 

أما من الناحية الموسيقية، فاللحن جاء وفيًا لروح النص، لا يطغى عليه ولا يستعرض نفسه خارجه، هو لحن سوداني خالص، يعتمد على الانسياب لا القفز، وعلى التدرج العاطفي لا الصدمة الجملة اللحنية تتحرك كما تتحرك الفكرة في رأس العاشق: تبدأ هادئة، تتصاعد ببطء، ثم تعود إلى تأملها الأول، لا تعقيد زائد، ولا مباشرة فجة، بل سلاسة تجعل المستمع يدخل الأغنية دون مقاومة، ويبقى فيها دون ملل

 

هنا يأتي دور محمود عبد العزيز، لا كمغنٍ فقط، بل كجسر زمني، صوته في هذا العمل لا يتعامل مع النص باعتباره (تراثًا) ، بل باعتباره حالة حية، محمود لا يغني الكلمات، بل يسكنها، في أدائه نلمس ذلك التوتر الجميل بين القوة والحنين، بين الشباب والنص القديم، صوته يحمل بُحّة صادقة، تجعل كل كلمة تبدو وكأنها كُتبت اليوم، لا قبل عقود

محمود عبد العزيز، وهو ابن جيله، أعاد تقديم الشاعر عبيد عبد الرحمن لجمهور لم يعاصره، دون أن يفرغ النص من روحه، أو يساوم على لغته ،  هنا تتجلى عبقرية التواصل بين الأجيال في الفن السوداني: شاعر قديم يكتب بصدق زمانه، وفنان حديث يقرأ هذا الصدق بعين عصره، فيلتقي الزمنان في نقطة واحدة اسمها الإحساس

 

إني من منصتي استمع …  حيث ينتابني احساس عميق …. أن هذه الأغنية تثبت أن الفن الحقيقي لا يشيخ، وأن القصيدة الجيدة قادرة على عبور الأزمنة إذا وجدت الصوت الذي يحترمها، (أفكر فيه وأتأمل) ليست فقط أغنية عن الحب، بل شهادة على أن الإبداع حين يكون صادقًا، يصبح وطنًا مشتركًا بين من كتب، ومن لحن، ومن غنّى، ومن استمع… مهما اختلفت أعمارهم.

*ياسر الفادني*

____________

*للانضمام لـ (مُهرة 13)*

https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT

  • Related Posts

    ( كٌنت هناك )

    *( كٌنت هناك )* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* قلت للزملاء الذين رافقوني في العودة للخرطوم ونحن مجتمعين أنا أٌريد ان أبدأ عودتي للخرطوم بتحية صرح يستحق منا جميعاً التحية والاحترام قال لي أحد الزملاء : ح نبتدئ بالجهة الفلانية قلت له لا بدايتنا ح تكون بوزارة الداخلية و سنكون مع الشرطة السودانية أولادنا الغٌبش مشهدا مشهدا ورواية رواية. الجهاز الذي ينبض بالرجال الأوفياء أصحاب البال الطويل والحنكة الذين كلما رشقتهم حجارتنا أو وصلتهم إساءتنا تحملوها بكل جلد وصبر وحكمة ونكران ذات وقالوا هذا برد وسلام علينا بمبدأ انتوا اغلطوا ونحن بنفتش ليكم الأعذار … الشرطة التي تحملت فوق طاقتها وفوق احتمالية أفرادها لكنها ظلت تقدم في كل الأمكنة .. قدمت في الحرب مئات الشهداء وعشرات الجرحى وجمعا من المفقودين وظلت أيضاً صامدة وصابرة ومحتسبة ولكم في الاحتياطي المركزي مثال رمزية تفوق الجبال شموخا … جلست إلى كبار ضٌباط الشرطة وفي مقدمتهم السيد / الفريق أول حقوقي / أمير عبدالمنعم المدير العام للشرطة هذا الرجل عسكري بوليس حقيقي رجل صارم وحاذق وحافظ لوحه تماماً تهابه حتي وإن كٌنت مٌلما بكل المعلومات فيحدثك حديث العارفين ببواطن الأمور ومرونة القيادة وإقتراح الحلول في وقت صعب .. جلست إلى الأفراد العسكرين لاحظت فيهم الصرامة والاهتمام بالتواصل مع المجتمع والقٌرب منه امتثالاً لشعار (الشرطة في خدمة الشعب) … ورأيت أن الشرطة ترجمت ذلك في التسهيل والتعاون بتبسيط الخدمات في مجالات عديدة أهمها الأمن وتحمل المسؤولية التامة في ظل تحديات كبيرة بأقل الإمكانيات وأعظم الرجال .. دخلت مباني النجدة والعمليات وجدت المهتمين بالأمر على أهبة الاستعداد للاستجابة الفورية للبلاغات عبر الرقم ( 999 ) أو دوريات النجدة المنتشرة في المحليات سألت المسؤول الأول و هو ضابط برتبة متقدمة (هل اتصل بكم مواطن لنجدته ولم تفعلوا )؟ أجابني بروح طيبة نحن قاعدين هنا عشان خدمة المواطن وما بننوم وكل من أراد الفزعة نحن في خدمته … باغته بسؤال خيالي يا سعادتك في مواطن اتصل ولم يحدث تعاون من جانبكم ؟ أجابني جيبي توقيت الاتصال وأعدك أن هذا لم ولن يحدث قط بإذن الله… دلفت منهم إلى الارتكازات وفي كبري النيل الأبيض وجدت الشرطة الأمنية حاضرة وواعية تماماً ومدركة لحساسية الوضع لاحظتهم واقفين في منتصف الكبري لمتابعة السيارات وما تحمله من أشياء في متابعة لصيقة للمواطنيين أعجبتني الهمة العالية والروح الوثابة … وفوق هذا وذاك وجدت الناطق الرسمي للشرطة .. رجل نشط كالنحلة متعاون مع الإعلام ويتعامل بمبدأ الشراكة الذكية بين الأجهزة الأمنية والإعلام .. دخلت رئاسة شرطة ولاية الخرطوم شاهدت الخرطوم العاصمة كلها من غرفة السيطرة والتحكم المواقع و الارتكازات مرور الدوريات و متابعة الشارع العام كله موجود في شاشة وأمامها يجلس كبار الضٌباط بالساعات الطِوال ويظهر عليهم التعب والإرهاق لفكرة التركيز الشديد في متابعة الشاشة حتي لا تضيع منهم لقطة او لمحة علها تكون مدخلا لجريمة أو حدا من حدوث بعض ظواهر النهب والسرقة وغيرها من الجرائم … خرجت من ديار الشرطة بغالبية أفرعها بأن الشرطة السودانية بخير وأنها حريصة على حماية المدنيين بعين ساهرة على الدوام .. لكن إن كان لدي من رسائل : ▪️أولاً : رفع مرتبات المنتسبين للشرطة السودانية حتى يستقر وضعهم المادي نسبياً فهم بشر ولديهم التزاماتهم الأسرية وغيرها … ▪️ثانياً للمواطن : أن يٌعطي الشرطة كامل الاحترام والتقدير اللازم وأن يضعها في مقام الشريك الصديق .. ▪️وثالثاً : لضباط وأفراد الشرطة السودانية أن يجعلوا المواطن هو بمثابة ابنهم البِكر خوفاً واحتواء … ▪️أما أنا فتحيتي خاصة لكل الشرطة السودانية حيّاكم الغمام …. ( قريباً أحدثكم عن رجل عظيم أسمه بابكر سمره ) وبس … *عائشة الماجدي* __________…

    Read more

    Continue reading
    عن أرباح العدوان

    *عن أرباح العدوان!* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* * الذين يدافعون عن العدوان الإماراتي، ويهاجمون منتقديه، لا يقدمون معلومات تلغي المعلوم يقيناً، أو تشكك فيه وتجعله محل تساؤل. المعلومة الوحيدة التي يقدمونها هي أنهم فريق دفاع سوداني، والتساؤل الوحيد الذي يثيرونه يتعلق بمقدار “أتعابهم”! * عندما يعددون الحيل الدفاعية فإنهم في الحقيقة يعددون مصالحهم، فكل حيلة تحدث الناس عن مصلحة ولا تحدثهم عن حجة، ليكون أكثرها ضعفاً هو أكثرها حديثاً عن المصلحة! * وليدل مجموع الحيل على مقدار تركيزهم على إرضاء المعتدي أكثر من الإقناع، وابتعادهم عن الوطن والمواطنين، والأذى الذي يقبلونه لهم إذا تعاكست المصالح! * يدل تمسكهم بالاستمرار في الدفاع عن العدوان ــ رغم أن ردود الفعل تثبت بشكل قاطع أنه يفضح ولا يقنع ــ على قناعتهم بأن ربحهم من العدوان أكبر من خسارتهم، وأن سمعتهم أقل أهميةً من مصلحتهم! * لو كانوا صادقين، مع أنفسهم ومع الناس، ومقتنعين بصحة منطق المصلحة من العدوان، وبوجود مصلحة عامة من الأصل، لحاولوا إقناع الناس بمشاركتهم في الدفاع عن العدوان عبر محاولة إقناعهم بأن مصلحة الوطن والمواطنين منه أكبر من الخسارة، تماماً كحالهم هم! *إبراهيم عثمان* __________ *لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽 https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *